الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٧٨البصري أولاً، وقد سَلَكَ سبيله كثير من أهل البَصْرَة. وأما غيلان الدمشقي؛ فكان يسكن دمشق، وأبوه كان مولى لعثمان بن عفان. قال الأوزاعي: «قدِمَ علينا غيلان القَدَري في خلافة هشام بن عبد الملك، فتكلم غيلان، وكان رجلاً مُفوَّهاً، ثُمَّ أكثر الناس الوقيعة فيه والسعاية بسبب رأيه في القَدَر، وأحفظوا هشام بن عبد الملك عليه، فأمر بقطع يديه، ورجليه، وقتله، وصلبه!».
C
وقد روي أن غيلان وقف يوماً على ربيعة الرأي، فقال له: أنت الذي تزعم أنَّ الله يُحِبُّ أَنْ يُعْصَى؟! فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أنَّ الله يُعْصَى قَسْراً؟!. وَحْيِيَ «أَنَّ عُمر ابن عبد العزيز بلغه أن غيلان وفلاناً نطقا في القَدَر، فأرسل إليهما، فقال: ما الأمر الذي تنطقان به! فقالا: هو ما قال الله يا أمير المؤمنين قال: وما قال الله؟ قالا: قال: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا} ثُمَّ قَالَ: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، ثُمَّ سكتا، فقال عمر: اقرأا، فقرأ حَتَّى بلغا {إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) الإنسان/ 29 - 30؛ قال عمر: كيف تريان؟ تأخذان الفروع، وتدعان الأصول!؟ قال ابن مهاجر: ثُمَّ بلغ عُمر أَنَّهما أسرفا، فأرسل إليهما وهو مغضب. فقال عُمر - وكُنتُ خلفه قائماً، حتى دخلا عليه، وأنا مستقبلهما، فقال لهما: ألم يكن في سابق علم الله حين أمر الله إبليس بالسجود الأ يسجد؟ قال: فأومأت إليهما برأسي أن قولا نَعَم وإلا فهو الذبح، فقالا: نعم، فقال: أولم يكن في سابق علم الله حين نهى آدم وحواء عن الشجرة أن يأكلا منها، فألهمهما أن يأكلا منها؟ فأومأت إليهما برأسي فقالا: نعم فأمر بإخراجهما، وأمر بالكتاب إلى سائر العمال بخلاف ما يقولان، وأمسكا عن الكلام. فلم يلبثا إلا يسيراً حتّى مرض عُمر، ومات، ولم يُقدِ الكتاب، وسال بعد ذلك منهما السّيل»
(1)
فترى من هذا انتشار القول في القضاء والقدر في هذا العصر، وشدة الجدل في هذا الأمر بين المتخاصمين. وقد اختلف الباحثون في منبع هذه الحركة: هل هو العراق أو الشام؟! وأياً
كان الأمر، فالقول في القضاء والقدر كثر في العراق، وفي الشام، وحتّى في المدينة.
(1) فجر الإسلام": أحمد أمين:
.286 - 285
80