الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٧٩وعلى العكس من هؤلاء القدرية طائفة الجبرية، وكان من أولهم جهم بن صفوان ومن هنا سُميت هذه الفرقة بالجُهَميَّة، وكان يقول: إنَّ الإنسان مجبور، لا اختيار له، ولا قدرة، وإنَّه لا يستطيع أن يعمل غير ما عمل، وإنَّ الله قدر عليه أعمالاً لابد أن تصدر منه، وإنَّ الله يخلق فيه الأفعال كما يخلق في الجماد، فكما يجري الماء، وكما يتحرك الهواء، ويسقط الحجر، فكذلك تصدر الأفعال عن الإنسان، يُصدرها الله فيه، وتُنْسَبُ إلى الإنسان مجازاً، كما تُنسب إلى الجمادات، فكما يُقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وطلع الشمس، وأمطرت السماء، وأنبتت الأرض، كذلك يُقال: كَتَبَ مُحمد، وقضى القاضي، وأطاع فلان، وعصى فلان كُلُّها من نوع واحد على طريق المجاز، والثواب والعقاب جبر، كما أنَّ الأفعال جَبر، والله قدر لفُلان فعل كذا، وقدر له أن يُثاب، وقدر على الآخر المعصية، وقدر للآخر أن يُعاقب!
واشتهر بهذا القول جهم بن صفوان، وهو من أهل خراسان، من الموالي، وأقام
،
بالكوفة، وكان فصيحاً خطيباً، يدعو النّاس، فيجذبهم إلى قوله ظهر مذهبه ترمذ؟؟؟؟؟ وكان كاتباً (وزيراً) للحارث بن صريح، وقد خرج الحارث هذا على بني أُمية في خراسان، فاتَّبعه كثير من أهلها، وكان يدعو إلى العمل بكتاب الله، وسُنَّة رسوله، واستعمال أهل الخير والفضل، وقد هزم الحارث، وأُسر جهم بن صفوان، فقُتل، ثُمَّ قُتل الحارث سنة 128 ومن هذا ترى أنَّ الجهم - أيضاً - قتل لأمر سياسي، لا علاقة له بالدين.
ها
ولم يشتهر الجهم بمسألة الجبر فحسب، بل تعرض لشيء آخر لا يقل عنه أهميَّة؛ وهو القول بنفي صفات الله الزائدة على ذاته، ذلك أنَّه وَرَدَتْ في القرآن آيات كثيرة تدل على أنَّ الله صفات من سَمْع وبَصَر وكلام .. إلخ، فنفى جهم ظاهر هذه الآيات، وقال: إنَّ ظاهرها يدل على التشبيه؛ إذ لا يصلح وصف الله بصفة يوصف بها خَلْقه؛ لأنَّ ذلك يقتضي تشبيهه بالمخلوق، وهو مُستحيل على الله، فيجب تأويل ذلك، وصرفه عن ظاهره؛ لأنَّ ظاهره غير مراد، وأداه ذلك للقول - أيضاً - بأنَّ القُرآن مخلوق خَلَقَهُ الله، وكان ذلك نتيجة طبيعية لنفيه الصفات، فإذا كان الله لا يتكلم بالمعنى المفهوم لدى الإنسان من التكلم بالحروف والأصوات، بل هو يخلق الكلام، ويُظهره، كان كلامه - أي القرآن وسائر الكتب السماوية.
81