الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٨٧ويعترف لهم خُصومهم - فضلاً عن المنصفين - بذلك، يقول أبو الحسين الملطِي). وهو من الخصوم -: إنَّهم أرباب الكلام، وأصحاب الجدل، والتمييز، والنظر، والاستنباط، والحجج
(2)
على من خالفهم وأنواع الكلام، والمفرقون بين علم السَّمْع وعلم العقل، والمنصفون في مناظرة الخصوم، ويقول عنهم الإسفراييني) - من الخصوم أيضاً: إنَّهم أول فرقة أرسوا قواعد الخلاف، أما من المنصفين؛ فيقول عنهم القاسمي: إنّهم أوَّل مَنْ ظهر من الفرق الإسلامية في صدر حضارة الإسلام بقواعد الأصول على الجمع بين المنقول والمعقول، وإنَّهم من أعظم الفرق رجالاً، وأكثرهم أتباعاً (3).
ولا ترجع أهمية المعتزلة إلى دورها البارز في علم الكلام فحسب، أو أنَّها تُمثل النزعة العقلية في الفكر الإسلامي فقط، بل إلى مكانتها في الحضارة الإسلامية إبان ازدهارها، ولا أعني بذلك ـ فقط - أنَّهم كانوا أشد المدافعين عن الإسلام فكراً وجَدَلاً ضد أصحاب الديانات الأخرى، فضلاً عن الزنادقة، وإنَّما هناك خصائص حضارية لم تجد ـ بعد - من عناية الباحثين قدر بيان نزعتهم العقليَّة؛ إيجابيتها أو سلبيتها، مناقبها ومثالبها، محاسنها ومساوئها.
من أهم هذه الخصائص الحضارية ما يأتي:
إنَّ المسار التاريخي للمعتزلة قد صاحب المسار التاريخي للحضارة الإسلامية ازدهاراً وانهياراً، بمعنى؛ أنَّ ازدهار الاعتزال كان في أوج الحضارة الإسلامية في القرن الثالث الهجري، كما أنَّ غياب المعتزلة عن مسرح الحياة الإسلامية قد اقترن بتدهور هذه الحضارة،
ولم تكن الحال كذلك بالنسبة لأيَّة فرقة كلامية أُخرى. فهل كان ذلك محض مصادفة؟ إنَّ الأغلبية الساحقة من رجال هذه الفرقة كانت من الموالي، بل من أصحاب الحرف، وأهمية ذلك حضارياً ترجع إلى ما يأتي:
(1) الملطي (أبو الحسين محمد أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ط 2، القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 1977، بتحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص 35 - 36. (2) الإسفراييني (أبو المظفر طاهر بن محمد): التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين الطبعة القديمة، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1955، بتحقيق محمد زاهد الكوثري، ص: (3) جمال الدين القاسمي: تاريخ الجهمية والمعتزلة.
.53
89