الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٨٨

أ - إنَّ مبدأ المساواة قد تحقق في الحضارة الإسلامية على نحو جعل رواد الفكر أُناساً من الشعوب المغلوبة، بل من الطبقات الدنيا.

ب - لا يعد كونهم من الموالي سبباً للتشكك في إيمانهم، أو اعتبار رواسب حضارية ودينيَّة قد خالطت اعتقادهم؛ إذ إنَّ مُعظم حَمَلَة العلم في الإسلام. كما لاحظ ابن خلدون بحق - كانوا من العجم، ذلك أنَّ الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة في العَرَب، ولما كان علم الكلام - مثله في ذلك كمثل سائر العلوم التي تلتزم

نوعاً من التحضر - كان الموالي أسرع من عَرَب البادية إلى نيلها والنبوغ فيها؛ لأنَّهم أقدر عليها للحضارة الراسخة فيهم

(1)

.

ج - ويُشير ابن خلدون إلى سبب آخر في ذلك، وهو أنَّ العرب حين خرجوا من البداوة إلى الحضارة شغلتهم الرياسة، ومقتضيات أعباء الدولة من السياسة والإدارة عن القيام بالعلم والنظر، وسيأتي بيان ذلك بصدد ظروف نشأة المعتزلة.

نشأة المعتزلة:

هناك عدة روايات عن كيفية ابتداء هذه الفرقة، واتخاذها هذا الاسم أول مرة، أشهرها وأدعاها للقبول في رأيي - هي التي تقول: «أنه دخل واحد على الحسن البصري - وهو يلقي درساً في مسجد البَصْرَة - فقال: يا إمام الدين؛ لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يُخْرَجُ به عن الملة، وهم وعيديَّة الخوارج، وجماعة يُرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصيَّة، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهُم مُرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يُجيب، قال واصل بن عطاء: ـ وكان تلميذاً للحسن البصري وحاضراً في درسه ـ أنا لا أقول إنَّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثُمَّ قام، واعتزل إلى أسطوانة (أي عمود) من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب

-

(1) ابن خلدون: المقدمة، (فصل في أنَّ حَمَلَةَ العلم في الإسلام أكثرهم العجم)، ص 401 402.

90