الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٨٩به على جماعة من أصحاب الحَسَن، فقال الحَسَن: اعتزل عنا واصل وأصحابه معتزلة).
ويقول رأي آخر إنَّ «الاعتزال» أقدم من ذلك، فالمعتزلة هم الذين لم يشتركوا في حرب الجمل، ولم يُشهروا سيوفهم في موقعة صفين نتيجة لعقيدة مُعيَّنة تخلص في أنَّهم لم يستبينوا أي الفريقين كان صاحب حق، وأيهما الباغي، والتمسوا الآية الكريمة: (طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَنَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) ولما لم يعرفوا الباغي التزموا جانب الاعتزال.
(2)
وثمة رأي ثالث يقول: إنَّ مذهب الاعتزال من حيث الفكرة والعقيدة اللتين قال بهما
وره
واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، إنَّما ينتهي في الواقع إلى علي بن أبي طالب؛ لأن واصلاً أخذ عن محمد بن علي بن أبي طالب (المعروف بمحمد بن الحنفية)، وأنَّ محمداً أخذ عن أبيه الإمام علي الله. ويُؤيد هذا الرآي أنَّ الزيدية - وهم من شيعة علي - معتزلةٌ في أصولهم كلها إلا مسألة الإمامة، وأنَّ زيداً كان تلميذاً لواصل بن عطاء تلميذ محمد بن الحنفية.
(3)
وقد حاول بعض الباحثين) إيجاد صلة بين الاعتزال بالمفهوم السياسي وبين الاعتزال بالفهوم الكلامي، مستندين - في ذلك - إلى أن مشكلة الحكم على فاعل الكبيرة ذات طابع سياسي، وأنَّ المعتزلة - جميعاً - أعداء الأمويين، وإلى ارتباط واصل بين عطاء بزيد بن علي، واحتضان الزيديَّة لأُصول المعتزلة، وحين انقطعت الصلة بين العباسيين والعلويين منذ قيام الدولة العباسية بقي فرع بغداد على علاقة طيبة بالشيعة المعتدلة، وهو رأي موافق لما قال به الملطي - مع أنَّه من خُصوم المعتزلة - إذْ يقول: المعتزلة وهُم أرباب الكلام، وأصحاب الجدل، والتمييز، والنظر، والاستنباط، والحجج على من خالفهم، وهم سموا أنفسهم معتزلة، وذلك عندما بايع الحسن بن علي ـ عليه السلام - معاوية، وسلَّم إليه الأمر؛ إذ اعتزلوا الحَسَن
(1) الشهرستاني: الملل والنحل 1/ 48.
(2) فجر الإسلام أحمد أمين
، ص
.291
(3) مقالة نيبرج عن المعتزلة في مقدمة كتاب الانتصار.
91