الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٩٠

ومعاوية وجميع النّاس، وذلك أنهم كانوا أصحاب علي، ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة، فسموا - بذلك - معتزلة).

ولعل قيمة هذه الرواية أنَّها تُلقي الضوء على الصلات الأُولى بين المعتزلة والشيعة، فضلاً عن أنَّه كثيراً ما يصحب السُّخط على مجريات أُمور السياسة من بين أهل التقى والورع اعتكاف على العلم والعبادة، يقول الدكتور النَّشَار: اعتزلَ - إذن - الحياة العامة جماعة من خلص المؤمنين، رأوا الأمر بين يدي مُعاوية الطليق، فزهدوا الدنيا وأمرها، ولجأوا إلى التَّعبد بالعلم، وسرعان ما تناسوا السبب السياسي في اعتزالهم

(2)

غير أنه ـ من ناحية أخرى - يعيب هذه الرواية أنَّ رأس المعتزلة هو واصل ابن عطاء لم يكن مشايعاً لعلي، بلى إنَّه أدان الفريقين المتحاربين: علي وخُصُومه، وأن الاعتزال بالمفهوم السياسي - إنَّما أُطلق على فريق من الصحابة من أمثال سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عُمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، من اعتزلوا عليا وخُصُومه، ومن ثم؛ فإنَّ المعتزلة المتكلمين إنَّما هم امتداد للمعتزلة السياسيين، الذين وقفوا موقف الحيادي في النزاع بين أنصار علي ومعاوية، ثُمَّ بين أنصار ذُرِّيَّة علي والخلفاء الأمويين فيما بعد.

03

على أنَّه من العسير أن نجد صلة واضحة بين المعتزلة السياسيين والمعتزلة الكلامين إلا في الاشتراك اللُّغوي للفظ الاعتزال: الحياد بين فتين متنازعتين، أو تعليق الحكم بصدد

رأيين مختلفين.

وإذا كانت المصادر التاريخيَّة لا تمدنا بالرأي الحاسم في الموضوع، وإذا كانت حادثة خُرُوج واصل على الحسن البصري، أو حتى رأي واصل بصدد فاعل الكبيرة لا يُفسر الوزن الحقيقي لفرقة كالمعتزلة في مجال الفكر الإسلامي بعامة وعلم الكلام بخاصة، وحينما يعجز ظاهر التاريخ علينا أن نسبر باطنه، ومن ثمَّ؛ فإنَّ التفسير العقلي هو وحده يُفسر قيام المعتزلة والدور الذي قامت به في الفكر الإسلامي، ذلك إنَّه لا يصح تعليق عظائم الأمور - لاسيما في

.36

(1) الملطي (أبو الحسين): التنبيه والرَّدُّ على أهل الأهواء والبدع بتحقيق محمد زاهد الكوثري، ص (2) د. علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الإسكندرية: دار المعارف، ج 1 / ص 439 - 431.

92