الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٩١مجال الفكر على أتفه الأحداث، وإنَّما المشكلة الحقيقية التي عنها انبثق المعتزلة - باعتبارهم أصحاب النظر العقلي - هي في الإسلام، كما هي سائر الأديان: ففي كُلِّ دين كتاب مقدس، وأقوال مأثورة، ولكن؛ ماذا لو تعارض ظاهر النَّص مع العقل؟ أيهما المرجح: تقديس النَّص والتاي به عن النَّظَر العَقْلي، وذلك هو موقف النصيين من أهل الظاهر أم تأويل ظاهر النَّص كي يتمشى مع العقل، فيتسنّى إقناع المخالفين خصوصاً من أصحاب الديانات الأخرى؟! أُولئك هم المؤولة؛ ومنهم المعتزلة، يقول القاسم الرسي: ثلاث حجج احتج بها المعبود على العباد وهي: العقل والكتاب والرسول … والعقل أصل الحجتين الأخيرتين؛ لأنهما عُرفا به، ولم يُعرف بهما). ومن الخطأ فهم عبارة الرسي أنَّ العقل مقدم على الكتاب، أو الاستدلال على الإيمان تقديماً مُطلقاً، وإنَّما المراد أنَّ الكتاب وكونه من عند الله، والرسول وكونه موحى إليه، كُلُّ ذلك قد عُرِفَ بالعقل، فالعقل هو الذي أوصلنا للشرع، ولولاه لما وصلنا للشرع، وإسقاط العقل مُؤدَّ لإسقاط الشرع نفسه، وبالتالي؛ فطالما أنَّ الله زرع فينا العقل، وتعبدنا به، وجعله حُجّة ودليلاً قاطعاً وموصلاً لمعرفته، ومعرفة حقية رسوله ودينه، فلا يمكن أن يأتينا بشيء يُناقض بديهية العقل، ومن هنا؛ قالوا: إِنَّه إذا تعارض ظاهر النَّص مع العقل، فذلك يعني أنَّ النَّصَّ من المتشابه المؤول، أو المجاز المستعار الذي يلزم فَهم ظاهره بنحو لا ينقض العقل، بل يتّسق معه.
إنَّ وَضع المشكلة على هذا النحو هو وحده الذي يُفسر النشأة الحقيقية للمعتزلة، فضلاً عن الدور الخطير الذي أدّوه في الحضارة الإسلامية، وذلك بعد أن عجزت الأدلة التاريخية عن تقديم إجابة حاسمة.
تسميات أُخرى للمعتزلة:
ليس اسم المعتزلة هو وحده الذي أطلق على هذه الفرقة، ويُحبُّ المعتزلة أن يتسموا باسم الفرقة العدلية؛ حيث العدل أهم أصوله الخمسة؛ إذ يتضمن أغلب نَظَرَاتهم، فضلاً
(1) القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي: أُصول العدل والتوحيد تحقيق د. محمد عمارة، مصر:.: منشورات
دار الهلال. ج 1، ص
.96
93