الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٩٢

عن أنَّ الأصول الثلاثة الأخيرة لازمة عنه، ويُحبون أن يُسموا أنفسهم بأهل العدل والتوحيد، أمَّا خُصومهم؛ فقد نبذوهم بعدة ألقاب منها (المعطلة) لتنزيههم الله عن صفات المحدثين تنزيهاً ينطوي على كثير من الصفات السلبية إلى حد التعطيل في رأي الخصوم، ومنها (القَدَريَّة) لقولهم بحريَّة الإنسان، أو بالأحرى أنَّ (قَدَرَ) الإنسان بيده، يقول ابن الأثير: سُمّوا القَدَريَّة؛ لأنَّهم أثبتوا للعبد قدرة تُوجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه! ولا يُوافق المعتزلة على هذه التهمة مطلقاً، فهم لا يُنكرون - بحال من الأحوال - علم الله السابق، وقضاءه، وقَدَرَهُ، بل كُلُّ ما يقولونه: إنَّ علم الله السابق المثبت في كتاب عنده هو علم كاشف لا يُؤدِّي للجبر، بل الله خَلَقَ الإنسان بإرادته، حُرِّ مُختار يخلق أفعاله فَيُسأل عنها، لذلك؛ يرفضون تسميتهم بالقدرية، ويقولون لخصومهم: أنتم أولى بهذه التسمية؛ لأنَّكم تقولون: إنَّ الله هو خالق أفعال العباد ومقدرها عليهم قدراً لازماً، ومثبت الشيء أحق بالنسبة إليه من نافيه، ويبدو أنَّ نُفُورِ كُل فريق من أنْ يُلقب بهذه التسمية راجع إلى اعتقاد الفريقين بالحديث المروي: «القَدَريَّة مجوس هذه الأُمة»، ويُفسره الخصوم أنَّ المعتزلة قد أثبتوا فاعلين الله، والإنسان، كما أن المجوس قد أثبتوا إلهين: النُّور والظلمة! ومعلوم أن لفظ القَدَريَّة قد أُطلق - أصلاً - على رواد القول بحرية إرادة الإنسان من المتكلمين، وأعني بهم معبد الجهمي، وغيلان الدمشقي، وعمرو المقصوص،

:

وما كان هذا القول قد تبناه المعتزلة من بعدهم، فقد حاول خصومهم لصق التسمية بهم. ولُقب المعتزلة بالجُهَميَّة ()، ويبدو أنَّ الإمام أحمد بن حنبل هو أوَّل مَنْ أطلق عليهم هذا الاسم في كتابه: الرد على الجهَميَّة؛ لأنَّ مناظراته كانت في زمنه مع الجمهية في القول بنفي الرؤيا والصفات وخَلْق القُرآن، فضلاً عن التأويل العقلي، واعتبار العقل مصدر المعرفة، يقول القاسمي: إنَّ تلقيبهم (أي المعتزلة) بالجُهَميَّة إنَّما كان لما وجد من موافقتهم الجُهَميَّة في تلك المسائل، مع مراعاة سبقهم فيها على المعتزلة، وتمهيدهم السبيل للتوسع فيها، على أنَّ المعتزلة لا يعدون الجهم من رجالهم أو طبقاتهم، لاختلافهم معه في مسائل جوهرية، فقد

و

(1) نسبة إلى الجهم بن صفوان من أوائل أصحاب الآراء الكلامية. (2) القاسمي الدمشقي: تاريخ الجهمية والمعتزلة، من 45.

(2) ،

94