الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٩٥وليس خَلْقُ شيء بأهون عليه من خَلْقِ شيء آخر، ولا بأصعب عليه منه، لا يجوز عليه اجترار المنافع، ولا تلحقه المضار، ولا يناله السُّرُور واللذات، ولا يصل إليه الأذى والآلام،
C
(1)
ليس بذي غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء، ولا يلحقه العجز والنَّقْص، تقدس عن ملامسة النساء، وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء»). وتبعاً لذلك؛ نفوا أن يكون الله صفات أزلية غير ذاته (أي زائدة على ذاته من علم، وقدرة، وحياة، وسَمْع، وبَصَر، بل هو عالم قدير حي سميع بصير بـ ر بذاته، وقالوا: إِنَّ وُجُود صفات قديمة غير ذاته مثل العلم والقدرة والحياة. . . إنَّما هو قول بتعدد القدماء المفضي إلى الشِّرْك. وحاربوا الثنوية من الفرس القائلين بنظريتي النُّور والظلمة، وحملوا على المشبهة الذين ذهبوا إلى تجسيد الذات الإلهية. ويُشارك المعتزلة - في هذا المفهوم التنزيهي المطلق للذات الإلهية - جميع الشيعة،
بجميع فرقهم قاطبة، وجميع الخوارج كذلك.
ثانياً: العدل: معناه أنَّ الله - سبحانه وتعالى - عادل، فلا يُمكن أن يصدر منه. ظلم، ولا يمكن أن يأمر بما لا يطاق، ولا يمكن أن يُجبر الإنسان على المعصية، ثُمَّ يُعلبه عليها، ولا يمكن أن يفعل إلا ما هو الأصلح للعباد، والأنفع لهم، وتُسمى هذه بقاعدة اللطف الإلهي. والله - تعالى - لا يُضِلُّ أحداً (بالمعنى المباشر الابتدائي للإضلال المتعمد بلا سبب) ولا يُغويه، ولا يُجبر أحداً على معاصيه، أما الآيات التي فيها أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يشاء، ويهدي من يشاء؛ فمعناها أنَّ الله - تعالى - وَضَعَ قانوناً وسُنَّة في حياة البشر، بأن من ارتكب المعاصي، وتجبر، وطغى، اسود، قلبه، وأظلمت سريرته، فلم تعد ترى الحق، فالضلال نتيجة لعمل الإنسان، وهو مسؤول عنه، وإِنَّما نُسب الإضلال إلى الله؛ لأنَّه هُو واضع هذا القانون الكوني، بل مُقتضى عَدله أن يجعل النّاس أحراراً مختارين مستطيعين أن يخلقوا أفعالهم، فليس هو بخالقِ لتلك الأفعال، ومادام الإنسان يخلق أفعاله، فهو مسؤول عنها من خيرٍ وشَرِّ، يُثاب لفعله الخير، ويُعاقب لاقترافه الشَّرَّ، وهُم - بذلك - يُخالفون جمهور الجبرية الذين يقولون: إنَّ الإنسان، مُجبَرٌ لا مُختار، ومُسيَّر، لا مُخَيَّرٌ، وإِنَّما يقولون بذلك، لكي يقيموا الحجة على عدل الله، وإنَّه - تبعاً لذلك ـ لا يمكن أن تصدر عنه معاصي
(1) أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين، 1/ 155 - 156.
97