الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات سعد رستم

الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات

الجزء ١ · صفحة ٩٦

الإنسان؛ لأنَّ الإنسان خالق لأفعاله، وهُم - من أجل ذلك - يُطلقون على أنفسهم لَقَبَ أهل العدل والتوحيد»، أو «العدلية».

و من مقتضيات العدل الإلهي - أيضاً - أنَّ أفعال الله - تعالى - كُلَّها معللة بالأغراض الحكيمة؛ أي الأهداف المحمودة، رداً على مَنْ نفى أن يكون لأفعال الله غرض مُحدّد؛ لأنَّ هذا برأيه يجعل الله ـ تعالى ـ ناقصاً محتاجاً لذلك الغرض، مع أنَّه غني عن العالمين، والمعتزلة يُجيبون بأنَّ الغاية والغرض هي للفعل نفسه، لا للذات الإلهية، ومن مستلزمات العدل الإلهي قولهم بالحسن والقبح العقلي للأشياء، وأنَّ الحكم على الفعل بأنَّه حَسَن أو قبيح هو لوجوه تعود إلى الفعل، وليس لمجرد أمر الله به، أونَهيه عنه، فالله أَمَرَ بِالصِّدْقِ؛ لأنَّه حَسَن، ونهى عن الكذب؛ لأنه قبيح، فالأفعال إنَّما تُوصف بالحسن، والقبح لصفات تخصها كما

قال تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)؟ ثالثاً: المنزلة بين المنزلَتَين وقد سلف الحديث عنها عند اعتزال واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري، والمعنى أنَّ مُرتكب الكبيرة في منزلة متوسطة بين الكفر والإيمان، وهي منزلة الفسق، وهذا الحكم يُعتبر وسطاً بين الخوارج الذين كفروا صاحب الكبيرة، والمرجئة الذين اعتبروه مؤمناً، ويقول واصل: إنَّ صاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا على غير توبة فهو من أهل النار خالداً فيها، لكنَّه يُخفّف عن العذاب.

رابعاً: الوعد والوعيد ومقتضى ذلك أن الوعد والوعيد أمران نافذان، فَوَعْدُ الله بالثواب، ووعيده بالعقاب، ووعده بقبول توبة التائب أمور نافذة، لابد من الإيمان بها، وبذلك؛ لا يكون العفو بغير توبة، كما أنَّ فاعل الخير لابد من أن ينال جزاءه من النواب، والمعتزلة - في ذلك - يردُّون على المرجئة الذين يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة؛ إذ لو صح ذلك لكان وعيد الله ـ تعالى ـ في مقام اللغو.

خامساً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا هو الأصل العملي الوحيد من أصولهم الخمسة؛ إذ الأصول الأربعة الأولى تتعلق بالنظر والاعتقاد. وقد مارس المعتزلة هذا الأصل عملياً، فقد عُرفت سيرة رجالهم بجهاد الزنادقة والفساق، فضلا عن التصدي للمعترضين على الإسلام. وقد التزموا الأمر والنهي عن المنكر؛ لأنَّ الزندقة كانت قد

98