الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات
الجزء ١ · صفحة ٩٧انتشرت بين الناس انتشاراً ملحوظاً، وتعددت أوكارها، فأصبح أمر العقيدة في خطر، وذلك حتّم المعتزلة على المسلمين - حفاظاً على الحقِّ - أن يُسارعوا إلى الأمر بالمعروف، وهو هنا الدفاع عن الإسلام والمنافحة عنه، والنهي عن المنكر؛ أَي مُحاربة الفساق والمجان والزنادقة، ولذلك؛ استحل المعتزلة الاستعانة بالخلفاء في القضاء على الزنادقة، لكن؛ استطال بهم الأمر فيما بعد - حتّى استغلوا الخلفاء في نشر مذهبهم، وما يرونه حقاً لا مرية فيه، مثل موضوع خَلْق القرآن، حتّى ولو استخدم الخلفاء في ذلك السبيل القسوة والأذى، بل القتل أحياناً، الجزم رؤوس المعتزلة آنذاك أنَّ القول بقدم القُرآن يُؤدي لإثبات شريك في القدم الله عَزَّ وجَلَّ، ويُعطي الحجة للنّصارى في تأليههم للمسيح؛ لأنه كلمة الله، ومن هنا؛ كانت فتنة تعميم وجوب القول بخلق القرآن أيَّام المأمون والمعتصم والواثق العباسيين كصورة من صور الشدَّة التي عَمَدَ إليها المعتزلة في أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ولو باستخدام العنف.
ومن شروط الأمر بالمعروف عندهم - كما يقول القاضي عبد الجبار الهمذاني: من كبار شيوخ المعتزلة - أن يعلم أنَّ ذلك لا يُؤدِّي إلى مضرة أعظم منه، فإنَّه لو علم، أو غلب على ظنه أن تهيه عن شُرب الخمر يُؤدِّي إلى قتل جماعة من المسلمين لم يجب، كذلك أن يعلم أو يغلب على ظنه أن لقوله فيه تأثيراً، فإن لم يعلم ذلك، أو لم يغلب على ظنه فإنَّه يحسن،
وإن لم يجب. وكذلك أن يعلم، أو يغلب على ظنه أنه لا يُؤدي إلى مضرة في ماله، أو في نفسه، فإن كان في تحمل الرجل لذلك الضرر إعزاز للدين فإنَّه يحسن، والأفلا، وعلى هذا؛ يُعْمَلُ ما كان من الحسين بن علي؛ إذْ كان في صبره على ما صَبَرَ إعزاز لدين الله عَزَّ وَجَلَّ، وبهذا؛ تباهي سائر الأمم، فنقول: لم يبق من ولد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - إلا سبط واحد، فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى قُتِلَ في ذلك: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ
الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم (آل عمران / 110).
(1) القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ص 145.
99