مذكرات الرائد سي لخضر بورقعة: شاهد على اغتيال الثورة لخضر بورقعة

شاهد على اغتيال الثورة

الجزء ١ · صفحة ١٦٨

صدمتني

كلماته بصدقها الصارخ وقفزت إلى ذهني مقارنة سريعة بين ضباط منحتهم الجزائر مناصب عليا وخلعت عليهم النياشين وقد سمعتهم يتشدقون بأقوالهم أنهم لن يقاتلوا مرة أخرى مهما كان السبب والخطب … وبين هذا الضابط اليوغسلافي المتقاعد، وقلت في نفسي أن الفرق بسيط فالضابط العجوز تعلقت روحه بمثل عليا ومبادى واضحة أما ضباطنا المتخاذلون فتعلقت هممهم بمنافع ذاتية كالحصول على شاحنات وخمارات الخ … وحتى اذا نالوها ارتدوا على أعقابهم ونسوا الواجب والجهاد ليستولي عليهم جشع التجار والتعسف في استعمال المنصب والرتبة …

أعتقد مخلصا أن الانحراف الخطير بدأ في ثورتنا لما استولى على السلطة بن بلة وبومدين عام 1962 وتعمق بعد الانقلاب العسكري في 19 جوان 1965 بحيث غرر بومدين المجاهدين ولاسيما أصحاب الرتب العليا وأرباهم بقروض وأعطاهم محلات تجارية وبذلك أخرجهم من شرف الجهاد ليجعل منهم أجراء أو مرتزقة تسلموا ثمن قتالهم بعض الملايين من السنتيمات، وحانات ومطاعم فخمة … وبذلك أفرغهم من محتواهم … وصادر ألسنتهم كي لا تنطق بكلمة حق بعد أن اشترى منهم ضمائرهم، وهكذا سقط الرمز وبقي التاجر أو الأجير. وتساوى في ذلك العار، ومجاهد في الله وفي الوطن وعميل كان بالأمس في صف المستعمر النازي وأصبح اليوم قائد ثورة ورمز تقدم …

لا يمكن لعاقل أن يصدق أن المجاهد الذي كان بالأمس يجدع أنف مخالف الثورة أو يقطع شفاهه لأنه شرب الخمر واعتدى على فضائل ديننا الحنيف أو قامر أو سرق … ألخ أن الخ أن يصير هو نفسه اليوم يأتي هذه الفواحش بل ويتاجر فيها … ؟ كان المجاهد أيام العز يعد نبيا أو يكاد بحيث كلما مر بقرية أو دشرة إلا واجتمع إليه الناس يتباركون بملامسته والحديث إليه بل ويزعم البعض أنه يشفي المرضى ببركته وصدق سريرته … لم يخطط بومدين المشروع بمفرده، بل قد تعلم مبادى الدس والمناورة والخبث وراء الحدود فأعاد تجربة الحبيب بورقيبة في تونس والمعروف أن بورقيبة خان المقاومة الوطنية في بلاده وجردها من سلاحها وهي في عز مراحل تحريرها وعمد إلى تصفية جل أبطالها وقادتها والإطاحة بمن بقي منهم بأسلوب الإغراء والإفساد تطبيقا حرفيا لرغبات فرنسا في إخفاء شعلة الثورة … وقد لا أكون مخطئا أن نفس المشروع مع تعديلات

3

156