شاهد على اغتيال الثورة
الجزء ١ · صفحة ٢١١من
فلم يفلح … وتطوع بنقلي بسيارته الخاصة إلى جنيف وكان هذا الصديق الفنان الثائر … الشهيد محمد بودية .. وفي طريقنا إلى جنيف تشابه علي الأمر وأشكل بين من يحثني على الاتصال هاتفيا بمدينة البليدة … وبين الذي ينصحني بعدم العودة إلى الجزائر … صدمت عندما لم أدرك أية رحلة جوية إلى الجزائر وفوجئت برحلة المغرب الأقصى التي تقلع فيها الطائرة اليوم الموالي … وكان كل ما أملك مال لا يكفي لقضاء ليلتي في جنيف ريثما تصل الطائرة المباشرة بين جنيف والعاصمة الجزائرية، وبعد لأي … عثرت على فندق متواضع لا يقصده إلا العمال السود في سويسرا والمعدمون مثلي قضيت به ليلتي على مضض .... وفي الصباح الباكر انتقلت إلى المطار واديت الإجراءات الجمركية … ثم ارتميت في جوف الطائرة … لا ألو على شيء حتى فوجئت بمضيفة الطائرة … تعلن أن رحلتنا الجوية ستتوقف بمدينة مدريد وسنستأنفها إلى الدار البيضاء بعد كامل يوم وكان لا مفر لي من ذلك إذ لم أنتبه إلى تعليمات الرحلة في اللوح الإلكتروني … وحمدت الله أن علمت أن تكاليف الإقامة بمدريد ستكون على حساب شركة الطيران … بعد لحظات نزلنا بمطار مدريد وذهبت توا أتأمل مفاتن تلك المدينة الرائعة وأرقب حركة أهلها وأسلوب عيشهم وأراود الذاكرة علي أرى بعض تاريخ أمتي التي صنعت مجدا طالما أعلته في تلك البقاع … وبينما أنا شبه صدمني شخص قادم من الاتجاه المعاكس التفت فورا أعتذر في شارع مكتظ إليه … فإذا هو كريم بلقاسم … وكانت مفاجأتي سارة وعظيمة بقدر ما كانت مفاجأته كذلك … بادرني قائلا: "من الذي جاء بك إلى هنا … وقد تركتك في باريس … ؟ وعلت وجهه علامات الدهشة والشك قلت دون تردد: "أنا في طريقي إلى الجزائر … ثم ذهبت أشرح له سبب عودتي إلى الجزائر … فاطمأن قلبه .. وطلب أن أرافقه إلى بهو فندق ضخم … حيث طلب فنجانين من القهوة وجلسنا إلى جانب طاولة في مقهى فخم رواده من أكابر القوم … وانطلقنا في جولة حديث جديدة … ولم أكن أعلم يومها أن فنجان قهوة أشربه رفقة كريم بلقاسم سيكلفني
مني
عشر سنوات سجن …
تائه
قبل أن أودعه سألته عن سر وجوده في مدينة مدريد فرد قائلا: "إني أترقب وصول الرئيس التونسي لحبيب بورقيبة قادما من الولايات المتحدة الأمريكية … لقد اتفقت معه على موعد بمدريد لكي نتباحث فيما يمكن أن نقدمه من عمل
194