قبسات من أنوار البدر الزاهر
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣فيسات
من
انظر الرام
وقد عَلِمَ أولو الألباب أنَّ الله تعالى إنَّما يَغْفِرُ لليَهُودِ وَالنَّصَارَى مَع تَرْكِهِمْ لِليَهُودِيَّة والنصرانية ودُخُولِهِمْ في الإسلام، وتَوْبَتِهِمْ مِمَّا كَانُوا عليه مِنَ الشِّرْكَ الحَرام، لأن الله قد بَيْنَ ذَلِكَ بِقَوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الخاسرينَ﴾ آل عمران / 85»
وَكَذَلِكَ إِنَّما يَغْفِرُ لأهْلِ المَعَاصِي والكَبَائِرِ مِنْ أهْلِ الإقْرَارِ مَع تَرْكِهِمْ لِذَلك ورُجُوعِهِمْ عنه بالتوبة والنَّدَم والاسْتِغْفَار، ولَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ ذلك مع الإِصْرَار، لأنه تعالى يقول: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) «آل عمران / 135،، وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُصِرُّونَ قُدُمًا إِلَى النَّارِ».
وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ وَلَدِ آدَمَ صَلَّى الله عليه وسَلَّمَ حيثُ يَقُولُ لأخِيهِ - وَقَدْ قَرَّبا قُربانًا فَتُقُبِّلَ منْ أحدهما ولَمْ يُتَقَبَّلْ من الآخر - فقال لَهُ عِنْدَ ذلك: لا قْتُلَنَّكَ) قال لَهُ أَخُوهُ مُجِيبًا لَهُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ). المائدة / 27». فَفِي هَذا بَيَانٌ لَمَنْ لَهُ قلبٌ أو القَى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ أَنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ الطَّاعَةَ من العاصين، وإِنَّمَا يَتَقَبَّلُها مِنَ المُتَّقِينَ، لأنه لَمْ يَتَقَبَّلْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ وهو عَاصٍ له قُربانَهُ الذِي تَقَرَّبَ به إليه، وتَقَبَّل مع ذلك قُربان أخيه.
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الله تعالى يَتَقَبَّلُ الطاعَةَ من العاصِينَ وَيَغْفِرُ الذُّنوبَ للمُصِرِّينَ كَذَّبه القرآنُ وأَعْجَزَهُ البُرْهَان، لأنَّ الله يقول: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَريب فأولئكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا النساء / 17، ثُمَّ قال: {وَلَيْسَت التَّوْبَةُ للذينَ يَعْمَلُ وَلَيْسَتْ التَّوْبَةَ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أولئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
«النساء / 18».
275
الشهرية بكاء