قبسات من أنوار البدر الزاهر
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥فيسات
من
حُجَجُ النافين خلود أهل الكبائر والرد عليها]
[الحُجَّة الأولى]
فَإِنْ زَعَمَ أحَدٌ أَنَّ الله لا يُخَلِّدُ في النار أحَدًا مِنْ أهْلِ الإقرار، وتأوَّلَ في ذلك قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿فَامَّا الَّذينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ «هود / 106 - 107» فقال: إِنَّ الله قد اسْتَثْنَى فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِخَلُودِهِم في النار، ولا بُدَّ للاستثناء أنْ يَقَعَ على شيء أو يَهْدِمَ شَيئًا في الإخبار والإقرار، ولا يَجُوزُ ذلك الاستثناء من الله كلامًا فَارِضًا لَا مَعْنَى فِيه ولا فائدةً
لديه.
قُلْنَا: إِنَّ الله تعالى لا يَكُونُ كلامُهُ فارغا من المعنى والفائدة والحكمة البالغة، غَيْرَ أَنَّكَ جَهَلْتَ عَدْلَ التَّنزيل، واخطات في التأويل، لأنَّ الاستثناء هاهنا لم يقع على ما تَوَهَّمْتَهُ واعْتَمَدْتَ عليه، وذَهَبْتَ في تأويلك إليه، وإنَّمَا وَقَعَ على ما مَضَى مِنْ ساعات يَوْمٍ الفَصْلِ التي لَمْ يَدْخُلِ النار فيها أهلُ العَذاب مَا عَلِمَ الله تعالى من اشتغالِهِمْ في تلكَ الساعات مِنْ أوّل يَوْمِهِمْ مِمَّا لا بُدَّ لَهُمْ منه من السؤال والجواب ومناقشة الحساب.
وبيان ذلك قوله تعالى في أوَّل الخطاب وذلكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُوْخْرُهُ إلا لأجَل مَعْدُود) «هود / 103 - 104، ثُمَّ قال: (يَوْمَ يَأْتِ) يعني ذلك الأجل لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) «هود / 105 .. ثُمَّ أَخْبَرَ فقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) «هود / 106 - 107». يَعْنِي: ما شاءَ مِنْ ذلك اليوم على ما فَسَّرَهُ أهل العلم لاشتغالهم في أوَّلِ يَوْمهم بشأن يوم القيامة من المُسَائَلَة والمحاسبة، لأنه تعالَى لَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ ذلك - بعد أن أخْبَرَهُمْ بِدُخُولِهِمْ في النار وخُلُودِهِمْ
4 جواب (إن) الواردة في أول الجملة السابقة. ومثل هذا الفاصل الطويل بين الشرط وجوابه يرد كثيراً في السيرة.
277