قبسات من أنوار البدر الزاهر سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني

قبسات من أنوار البدر الزاهر

الجزء ١ · صفحة ٢٦٦

النجار الحر

فيها إذا جاءَ اليوم الذي ذَكَرَه - لَوَجَبَ أنْ يُدْخِلَهُمْ في النار ويُخَلِّدَهُم في العذاب من

أوّل يَوْمِ الحِسَاب. ودَليلُ الحَقِّ المبين في صحة هذا التفسير قوله: إلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ يَعْنِي: مِنْ ذلك اليوم العظيم. ولَم يَقُلْ: مَنْ شَاءَ رَبُّكَ، فَيَخُصّ بعض أصحاب الجحيم، فافَهَمُوا ذلك، واعْلَمُوا أَنَّ الله تعالى لَمْ يَقُلْ في كلامه: خالدين فيها إلا ما شاء رَبُّكَ مِنْ أهل الإقرار.

فباي دليل زَعَمَ صاحب ذلك التاويل انهُمْ مَخصُوصُون بالخروج دُونَ الكفار؟ فإِنْ قَالَ: لأنَّ الله تعالى يقولُ: إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لَمَنْ يَشَاءُ) «النساء / 116» فَدَلَّ ذلك أنه لا يَغْفِرُ للكُفَّار وإِنَّمَا يَغْفِرُ لأهل الإقْرَارِ قُلنا لَهُ: وقد قال الله للمشركين - وهُمُ اليهود والنصارى - مثل ذلك حيث يقول: {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لَمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) «المائدة / 18» فَقَد بطلت حُجَّتُكَ في ذلك عليك، وصَحْ ما بيناه من فساد دعاويك.

[الحُجَّة الثانية]

فإن احْتَجَّ بِقَوْلِ الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمينَ فِيهَا جِثِيًّا مريم / 71 - 72: قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذِهِ الآيةِ حُجَّةٌ لك على ما تَدَّعِيه؛ لأنَّ الوُرُودَ إليها لَيْسَ بِدُخُولِ فِيهَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الله تعالى: {وَما وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ اُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) «القصص / 23، وإِنَّمَا وُرُودُهُ بِوُصُوله إِلَيْهِ، لَيْسَ بِدُخُولِهِ فيه، وقَدْ يَقُولُ القائلُ لَغَيْرِهِ: قد وَرَدَ إِلَيَّ كتابك، وَوَرَدَ

علَيَّ أمرُكَ وخَطَابُك، ولَيْسَ يَعْني أَنَّ كِتَابَهُ دَخَلَ فيه، بَلْ يُريدُ أنه أتاهُ وَوَقَفَ عليه. ولَعَمْرِي لَقَدْ كَذَبَ على الله وخَالَفَ ما نَطَقَ به كتابُ الله مَنْ زَعَمَ أَنَّ الله يُخْرِجُ قوما من الجَحِيم ويُدْخِلُهُمْ في جَنَّات النعيم، وقَدْ أكْذَبَهُ الله بقوله في بينات آياته: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ به خَطِيئَتْهُ} يَعْني: أصَرَّ على السيئة التي اكتسبها حتى

278