المغرب الأوسط في ظل صنهاجة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧النقدة والأدباء والشعراء … ولكن طريقهم في النقد الأدبي تتناول أخبارا نقدية متناثرة وأحكاما على الأدب متفرقة وآراء في الشعر جزئية غير مقتضبة إلى أن يجئ ابن رشيق فيختص في نقد الشعر عامة ويبوب البحث ويجمع له عدته وينظم منهجه، بحث منهجي علمي. والجدير بالذكر أن هؤلاء المغاربة المقيمين بالقيروان لم يقولوا شعرا في الحماديين على ما نعلم فاستأثر بهم بلاط الزيريين، فراحوا يتغنون بمدحهم وينشدون مفاخرهم فإن الجو السياسي لم يكن دائما صافيا بين الدولتين الشقيقتين.
إلا أن هذه الحركة الفكرية التي امتاز بها عهد المعز والتي لم تعرف مثلها افريقية من قبل، لم يطل أمدها فقد فسد الأمر بين المعز وبين الأعراب، فنقضوا الصلح المبرم سنة 442 هـ بينهم وأشعلوا نار الحرب. فدارت الدائرة على المعز. فدخل القيروان ولكنهم حاصروها بمجموعهم. فلم ير الأمير بدا من الانتقال إلى المهدية الحصينة، فدخل العرب القيروان ومن انضم إليهم من جيش المعز. فخربوا وسلبوا ونهبوا ما وجدوه فيها وفي صبرة. فتشتت السكان وهاموا على وجوههم، وتفرقت مجامع العلم والأدب، وكان حظ المغرب من هؤلاء الهاربين كبيرا. فقصدوا القلعة ومدنا أخرى. فنونية ابن رشيق تحدثنا عن القيروان في أيام عزها وعما صارت إليه من خوف وذعر وذلة وهوان. فامتلأت عاصمة الحماديين بالعلماء والأدباء والفنانين الماهرين.
حالة
فنهضت الثقافة بها نهضة كبيرة فبلغت أوج عظمتها. وكان وقتئذ على رأسها الناصر بن علناس كان هذا العاهل محبا للعلم مصطفيا أهله، فتقاطر على القلعة العلماء والأدباء منهم أبو الفضل بن النحوي.
202