الإسلام الخارجي
الجزء ١ · صفحة ١٠٥السياسية التي راهن فيها معاوية على كسب أنصار من داخل جيش عليّ وعلى إرباكه بتفعيل التناقضات التي تشقّه، غير ذات جدوى إن هي وقفت عند حد انقسامه مع إمكان أن يستأنف القسمان - كلّ من موقعه - القتال ضده في محاولة القضاء على جبهته. لذلك لا بد من المرحلة الحاسمة في الخطّة وهي توجيه أسلحة المنقسمين إلى بعضهم البعض. وهذا ما حدث فعلا فقد هاجم علي الخوارج في مكان انسحابهم: النهروان، ثمّ لم تلها واقعات أخرى بين القسم المنتصر ـ وهو الذي يقوده الخليفة - وبين الخصم الأساسي معاوية. وكانت واقعة النهروان ـ وهو جسر تواعد الخوارج على الالتقاء فيه بعد أن فارقوا عليّاً نهائياً - أوّل واقعة تعيشها هذه المجموعة وأهم واقعة تترك أصداء عميقة في وعيها وفي وجدانها فينشأ معها شعور بالانتماء إلى هوية سياسية اجتماعية بدأت معالمها في التبلور، ويتأكد لديها أنّ الآخر المخالف يريد أن يقضي عليها، من خلال تقتيله لرموزها الاجتماعيين.
في
کتاب
فقد اعتُبر من قتل في هذه الواقعة - بالنسبة إلى الخوارج لاحقاً - الجيل المؤسس الذي دفع أرواحه ثمناً لاستقلال المجموعة وتميزها في مواقفها هم الذين شروا أنفسهم في سبيل الحقيقة كما جاءت الله. ومن دون سائر الواقعات التي عاشها الخوارج طيلة تاريخهم، اتخذت هذه الواقعة بالذات مقوّماً من المقومات التي تحدّد هويتهم. إذ نجد في الخطاب الخارجي حضوراً مميزاً لذكراها وذكرى من استشهد فيها، بما هي نقطة التأسيس الفعلي للكيان المعنوي والسياسي للمجموعة. لقد أصبح هناك شهداء في سبيل ما من أجله خرجت، وأصبح لديها شعور بالتوافق بين أفرادها على أساس من المبادئ يميزها عن الآخر" المعادي لها المتربص بها.