التخصيص في الولاية والبراءة أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

التخصيص في الولاية والبراءة

الجزء ١ · صفحة ٥٥

(160)

"إن البراءة إنما شاعت ووجبت ممَّن يصح عليهم منهم الحدث المحرم بالدين والمخالفة للحق المبين والمفارقة، للطاعة والخروج عن الجماعة. وأما هم [يعنى الصحابة] فكانوا أعلى درجة، وأرفع منزلة، وأعظم قدرا، وأسنى ذكرًا من أن ترتقي إليهم عداوة بعض العوام، وينالهم عناد سائر الأنام؛ ولكن لَمَّا رفعهم الله في الدين، وشرفهم عند قيامهم به على اليقين، حط درجة من أتى منهم بضده، فلم يستقم في دينه مساواة الحق وبذه ثم عرض نوعين من الخلاف الذي وقع فيه الصحابة أنفسهم، الأول: الخلاف في الرأي، ومثل عليه بالاختلاف في ميراث الأرحام وميراث الإخوة مع الجد، وفي الأحكام والطلاق وما أشبه ذلك، وبين أن هذا النوع من الخلاف كان مقبولا عندهم لم يصل الحال فيه معهم إلى تخطئة كل فريق للآخر. والثاني الخلاف في الدين وهذا الضرب هو الذي به بعضهم بعضا، وسالت على إثر ذلك الدماء، ونشبت أظافر كل فريق في الآخر، وكان من نتائج ذلك: حرب صفين، ويوم الجمل ومقتلة النهروان ونحوها وهذا النوع من الخلاف إما أن يكون صاحبه محقاً أو مبطلا؛ فالمحق من الفريقين هو المستوجب للولاية، والمبطل هو المستحق بفعله لخلافها، يقول المؤلف في ذلك بعد مناقشته لنوعي الخلاف المذكور آنفا: "فعلمنا من هذا أن اختلافهم فيما لم يخطئوا بعضهم بعضا فيه ليس كاختلافهم فيما خطأوا بعضهم بعضا فيه، وأن الذي لم يخطئوا بعضهم بعضا فيه كان اختلاف رأي واجتهاد فيما لهم فيه الاجتهاد، وكلهم سالمون فيه عند الله وعند المسلمين، والذي خطأوا بعضهم بعضا فيه، وتحاربوا عليه حتى سفكت عليه الدماء، فأحدهم فيه مخطئ ضال، خارج من الحق بالذي لا شك في ذلك، والمخطئ بالدين مستحق للبراءة بالدين مخلوع كائنا من كان عند المسلمين " (161).

وساق الأدلة على ذلك من الكتاب ومما يهدي إليه العقل الرشيد، ثم قال: " وأَمَّا من قام بالحق ثُمَّ ضَيَّعه، ووصل ما أمر الله به أن يوصل ثُمَّ قطعه؛ كيف يساوي من

160) التخصيص (م): أقرب.

161) التخصيص (م): أق 7 ب

49