عُمان: أرض البطولات ومقبرة الغزاة محمد خير حصرية

عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

في إنكلترا وغير إنكلترا أن يسيروا وفق مقتضياته الزمانية والمكانية. ولم يراعوا مبدأ أخلاقيا ولا أحترموا قيمة إنسانية أو إجتماعية مهما كان لهذا المبدأ أو لتلك القيمة من قدسية أو إحترام في النفوس.

ولئن كانت المنطقة التي وجهوا أنظارهم إليها ضيقة - في أول الأمر - فإنها كانت تتسع مع الزمن وتشمل أماكن كثيرة البعد عن الهند. لقد إنتبهوا إلى كل ما كان يدور في خلد أعدائهم من إحتمالا لغزو الإمبراطورية البريطانية فهبوا إلى سد ما فيها من ثغرات.

لقد نبهتهم خطط نابليون - مثلا - إلى ضرورة إحتلال مناطق وبلاد لم يكن لتخطر لهم على بال، فهرعوا إليها وأحتلوها.

وكانت السياسة التي رسمها نابليون بعد إحتلاله لمصر في عام 1798 م تهدف إلى غزو الهند وضرب المصالح الإنكليزية فيها. وعين نابليون ثلاث طرق لتنفيذ الخطة. هي طريق هرات البري أو طريق الفرات والخليج العربي أو طريق البحر الأحمر.

فما أن علم الإنكليز بهذه الخطط … وبالمنافذ التي إفترض أن نابليون يمكن أن يهاجم الهند من إحداها حتى وجهوا كل إمكانياتهم للقبض على هذه المنافذ وبسط سيطرتهم المباشرة عليها.

أما البحر الأحمر فقد سيطر الإنكليز على بالإستيلاء على مالطة وقبرص والسودان وعدن والنواحي التسع المحمية وسواحل العرب الجنوبية والجزر القريبة منها.

وأما طريق هرات البري فقد أغلقه الإنكليز في وجه العدو بضم بلوجستان إلى الهند وتوطيد نفوذهم مؤقتا في أفغانستان والنصف الجنوبي من بلاد فارس.

وأما الخليج العربي فقد كان سببا في بذل جهود كبيرة ومنافسة إستعمارية طويلة ضارية لم تتوقف حتى تم إحتلال الإنكليز للعراق والسيطرة على سواحل الخليج العربي وعلى سواحل عمان.

ثانيا - مرونة السياسة الإنكليزية وتلونها:

لقد كيف المستعمرون نظام حكمهم في ممتلكاتهم وفي البلاد التي إمتد إليها نفوذهم، كسواحل عمان والخليج العربي وفقا للظروف الزمانية والمكانية. ولم يتقيدوا بمبدأ معين ولا بسياسة ثابتة. لقد حكموا إمبراطورية واسعة متباينة بشعوبها ولغاتها وطقوسها وتطورها التاريخي. فسلكوا مع كل شعب من شعوبها بل ومع كل فئة من فئات ذلك الشعب سياسة تنسجم مع العادات المحلية والتقاليد السطحية والخرافات، ورغبات العامة والمشعوذين الذين يمثلون أحط فئة إجتماعية وأكثرها جهلا. فأستدروا ثناء هذه الفئات الإجتماعية الممزقة، وأمنوا مشاغبتها، وكان كل ما يهمهم - طبعا - أن تكتسب مشاريعهم الضارة موافقة هذه الفئات ورضاها.

كان نفوذ المستعمرين - في تغلغله التدريجي – مرنا لينا حينا، قاسيا شديدا حينا

١٠٥ / ١٨٤