عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٥وأخذت موجة التحرير تشق طريقها إلى هذا الجزء من بلاد العرب بعد أن أغرقت معظم أجزاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية فأضطرت الحكومة البريطانية إلى الرضوخ.
وهكذا قام إتحاد الجنوب العربي في سنة 1962 م إلا أن إحدى عشرة مشيخة فقط وافقت على الإنضواء تحت لواء هذا الإتحاد الجديد. ويبلغ عدد سكان هذه المشيخات قرابة المليون ويعتبر الحكام موظفين بريطانيين. والسلطة الفعلية في الإتحاد هو في يد البريطانيين. ولهذا يمكن القول بأنه لا وجود في هذا الإتحاد للحكم المحلي. فإتحادات العمال غير مشروعة ويمنع كذلك تشكيل الأحزاب السياسية، ولا صحافة، فالصحافة الحرة ممنوعة وللبريطانيين السلطة المطلقة في إختيار أعضاء المجلس التنفيذي، وأعضاء هذا المجلس يمثلون الشيوخ الأتوقراطيين الذي تختارهم بريطانيا وفق رغبتها وعلى هواها. والجدير بالذكر أن عددا من الحكام في هذه المنطقة أخذوا يطالبون من حين لآخر بالإستقلال وحق تقرير المصير. ولهذا كانت تقوم من حين لآخر ثورة على الحكم البريطاني فكانت النتيجة أن تقمع الحكومة البريطانية هذه الثورات التحررية بمنتهى الشدة وتعمد إلى إخراج زعمائها وقادتها إلى خارج البلاد أو تطردهم إلى القاهر واليمن والسعودية الغربية. وكان أحد هؤلاء الحكام الأحرار، سلطان يافع العليا محمد ابن عيدروس، السلطان الوحيد الذي سمح بتسجيل نقابات العمال وبقيام أحزاب سياسية، ولكنه أخرج من بلاده بالقوة بعد أن حارب بضراوة وبعناد وقاوم التعسف البريطاني. ولكن الطائرات الملكية البريطانية قامت بقصف القرى الجبلية الواقعة على الحدود اليمنية بلا شفقة ولا رحمة فدمرتها. فأضطر السلطان المذكور مع بقية جيشه إلى اللجوء إلى أراضي اليمن.
ضرب يافع العليا بالقنابل:
لقد قامت الطائرات البريطانية الحربية بمئات الغارات الجوية على القرى في اليافع العليا فدمرت بعضها تدميرا شاملا حتى أصبحت أثرا بعد عين. وقتل عدد كبير من سكانها وجرح الكثيرون. صحيح أن الطائرات البريطانية كانت تلقي على القرى الإنذارات بوجوب إخلاء القرى من السكان قبل قصفها، وتقول أن الطائرات البريطانية ستستمر في قصفها من الجو إلى أن يغادر محمد بن عيدروس البلاد. واستمرت هذه الغارات الوحشية المدمرة وتوقفت فقط في شباط سنة 1962 م وذلك عندما قرر السلطان الثائر، إنقاذا لحياة أبناء شعبه من الغارات البربرية أن يلجأ إلى اليمن. وفي السابع عشر من حزيران سنة 1958 م قامت الطائرات البريطانية بالإغارة على مدينة (فلسان) طوال أربعة أيام متتالية فدمرت ست قلاع تدميرا تاما. أما المدينة نفسها فأصبحت ركاما.
كانت الحكومة البريطانية قد وعدت بأن تمنح مستعمرة عدن الإستقلال التام في سنة 1963 م وأن تسمح بإنشاء مجلس تشريعي يضم أحد عشر عضوا ينتخبون إنتخابا. وحتى تضعف سلطة هذا المجلس التشريعي الجديد. قامت الحكومة البريطانية بأسلوب تعسفي وبدون إستشارة أصحاب الرأي والسلطة بضم عدن إلى إتحاد الجنوب العربي