عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢قبائل عمان:
مما يلفت النظر في عمان كثرة عدد القبائل، حتى ليبدو ذلك غير طبيعي. ففي حين نشاهد عدد القبائل في البلاد العربية الأخرى قليلا حتى لا يكاد يتجاوز عدد أصابع اليدين، نراه يتجاوز المئات في عمان. ففي منطقة الإمامة وحدها عدد يزيد على مائة قبيلة. فما هو السبب في ذلك؟
نعتقد أن السبب الرئيسي في كثرة عدد القبائل وتباعدها وعزلتها عن بعضها يعود إلى عاملين أحدهما طبيعي والثاني إجتماعي.
أولا: العامل الطبيعي:
تتألف معظم عمان من أرض جبلية منيعة شديدة الوعورة. فساعدت المنعة والوعورة على زيادة عزلة القبائل وإبعاد بعضها عن بعض. ففي كل بقعة جبلية منعزلة تعيش قبيلة ما، أو فرع من قبيلة، مئات السنين، وهي مهما كانت ضعيفة تستطيع المقاومة لأنها تستفيد بمنعة موطنها ووعورته على البقاء بعيدة عن الأذى … موفورة الكرامة.
ولما كانت الظروف التاريخية التي مرت على عمان ظروفا غير طبيعية ء بصورة عامة ء تتميز بالفتن والحروب والتدخل الإستعماري، فقد تعذر ء بسبب ذلك ء قيام حكومات مركزية لفترات طويلة من الزمن. وبالتالي تعذر ذوبان الفوارق القبلية، بل على العكس ثبتت الطروف الطبيعية والتاريخية هذه الفوارق، وضاعفت من أثرها. ولا قيمة كبيرة - بالطبع - للحكومات المركزية، التي كانت تقوم في أيام الإمامة أو أيام حكم الملوك أو الجبابرة(1) … لأنها كانت متقطعة. يفصل بينها فترات زمنية طويلة، فكلما كانت تقوم حكومة من هذه الحكومات، كانت تحاول أن تزيل الفوارق الآنفة. وأن تثبت مركزية الدولة. ولكنها قبل أن تبلغ الغاية كانت تسقط فتعود الفوضى والفتن لتعمق الفوارق مرة أخرى.
ثانيا: العامل الإجتماعي:
من المعروف جيدا أن إنتشار التعليم في مجتمع ما، وعمق الوعي فيه يحولان دون تفكك ذلك المجتمع، وعلى العكس فإن إنتشار الفوضى والجهل، وضحالة الوعي الإجتماعي تسهل تفتت المجتمع وتمزقه.
وقد مرت على عمان ظروف طويلة من الزمن، أهمل فيها التعليم وضعف وعي الشعب … وجهل أهمية التلاحم القومي، الذي يجمع أبناء الأمة الواحدة حول أهداف مشتركة، فنمت مشاعر العصبية القبلية وضعفت الروابط الإجتماعية الأخرى، وانعزلت القبائل عن بعضها البعض.
إلا أنه من الحق أن نقول بأن الإمامة كانت تجاهد لمحاربة أسباب الفرقة، ساعية لتكوين شعب واحد متلاحم، مشترك المصالح والأهداف. تربط بعضه ببعض مشاعر أعمق جذورا من مصالح القبيلة وأكثرها سعة.
كانت الإمامة كلما نجحت في تحقيق فكرة التلاحم والوحدة تجسد هذا النجاح ء بصورة عملية ء في حماية الإمامة وتقويتها وتثبيت قواعدها مدة أطول .... وعلى العكس كانت العصبية القبلية كلما نمت ظهر التفكك الإجتماعي، وتعرضت الإمامة إلى الوهن … ثم إلى السقوط.
(1) / يطلق العمانيون اسم الجبابرة على الأمراء الذين ينفصلون عن الإمامة ويحكمون مناطقهم معتمدين على القوة والتسلط.