عمان أرض البطولات ومقبرة الغزاة لمحمد حصرية والسمان - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣ولا أدل على ذلك من أن الإمامة في نصف القرن الأخير منذ عام 1913م استطاعت ء بمحوها لأثار العصبية وأسباب التنافرء ان تعيد للإمامة سابق مجدها .. فانتقلت بها من نصر إلى نصر. ولم يصبها وهن ما أو تراجع عن أهدافها، حتى يومنا هذا. وإن الإنتصارات الوطنية الكبرى التي تحققها اليوم في نضالها المقدس ضد الأجنبي هو ء في الحقيقة ء مظهر من مظاهر ذوبان العصبية القبلية وزوالها، ومثال حي لتكاتف الشعب ووحدته.
ولا شك أن انتصار القومية العربية في كل مكان من دنيا العروبة، قد ترك أثره الطيب على قبائل عمان. فوجه أفكارها توجيها صحيحا، وعمق وعيها، ونبه الشعب العربي هناك إلى حقيقة وضعه.
إن زوال التعصب القبلي وامحاء النفور السابق بين مختلف القبائل وخاصة بين الهناوية والغافرية لا يعني - بالطبع - زوال نفوذ القبائل أو إمحاء أثرها من حياة عمان وكفاحها. بل على العكس فإن ذلك قد
ضاعف من قوة القبائل وأبرز أثرها الإيجابي في النضال. ولا نغالي اذا قلنا أن معظم المعارك وأشدها هولا إنما تقوم في مناطق القبائل الكبرى وخاصة القبائل المستوطنة (الحضرية).
إن الشعور السائد بين القبائل العمانية هو الشعور الديني الذي يتسم بالطابع العربي. والطابع العربي في عمان سمة قديمة لنضال القبائل ومشاعرها يعود إلى ما قبل عهد اليعربيين، إلا أنه تبلور واتضح في السنوات الأخيرة، ولم يعد منفصلا عن الشعور العربي العام الذي يوجه حركات النضال في بقية البلاد العربية.
كان الشعور العربي شعورا طبيعيا مألوفا، ولكنه لم يكن في الفترات السابقة المحرك الأول للنضال الوطني. ولم يكتسب صفته الثورية الأخيرة، إلا بعد أن خرج إمام عمان ببلاده من عزلتها، واتجه إلى الأمة العربية وربط كفاح وطنه الباسل بكفاحها.
والشعور العربي القومي بشكله الثوري الإيجابي رغم جدته وحداثته أصبح ء الأن ء محركا أساسيا، وعاملا فعالا من محركات الثورة ودوافعها في المنطقة. ذلك لأن هذا الشعور القومي الفاعل كان ء بحد ذاته ء عاملا مهما من عوامل صهر الفوارق القبلية وغيرها من العصبيات المفتتة للقوى في بوتقة الوحدة الوطنية، التي هي طابع عمان الحديثة وعنوان نضالها.