ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٤٣ونمضي
الآن لنواصل الحديث، حتى نتعرف على أسلوب الإسلام في مواجهة هذه الظاهرة - ظاهرة النفاق والمنافقين - في إطار حقيقتها وحجمها؛ اللذين بيناهما فيما مضى من هذا البحث.
عالج الإسلام مشكلة النفاق في إطارين اثنين، يخدم كلاهما الآخر ويكمله الإطار النظري الذي حدد معالمه القرآن الكريم، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم الإطار العملي الذي يحقق الصورة العملية لتوجيهات القرآن
وإرشاداته.
في الإطار الأول: كشف القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم مواصفات المشكلة وأعراضها، وخدم هذا العملُ خَطَّيْنِ اثنين: كشف أولاً دخيلة هؤلاء الناس، فأزاح عنهم قناع الادعاء الزائف الذي يتسترون به بتظاهرهم بالإسلام، بينما يحاربون الإسلام وأهله ويكيدون لهم.
وبصَّر ثانياً أهل الإسلام الصادقين حتى لا يقعوا في محاذير تلك الأوصاف القبيحة فكان هذا العمل بمثابة التشخيص العلمي للمرض الخطير الخبيث؛ ليتعرف عليه صاحبه في نفسه، فيلتفت إلى علاجه إن كانت له في نفسه حاجة، وليبصره فيه غيره من الأصحاء، فيحذر من أن تناله العدوى، أو أن يأتي هو ما يجر عليه أعراض المرض.
وقد تقدم الكلام في أوصاف المنافقين بما لا مزيد عليه، وذلك جانب من العلاج النظري للمشكلة، ولما كانت سرائر المنافقين استعصت عن أن تنالها أحكام الدنيا التي تهتم بالظاهر وتحسمه، فقد حرص القرآن الكريم على تذكير المنافقين بأنهم يتعاملون مع عالم السر والنجوى، وأنهم إن أفلتوا من عقوبة المسلمين في هذه الدنيا، فأمامهم عقبة لا يجتازها إلا المؤمن الصادق مع ربه ونفسه وزخر القرآن الكريم بالآيات المتعددة التي أعلنت بالوعيد الشديد للمنافقين، مصورة لهم حقيقة مصيرهم الذي ينتظرهم، إن هم مضوا في غيهم، ومردوا على نفاقهم.
قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُنفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: (145)].
(148)