الصحافي المناضل سليمان الجادوي ابن الحاج يحيى الجيلاني

الصحافي المناضل سليمان الجادوي

الجزء ١ · صفحة ١١٤

الاعتقاد بأن شكر المنعم واجب، وأنّ الذي أجلسهم على الوثير، وألبسهم من الحرير ورفع منزلتهم، وجعلهم يعيشون عيش المترفين لخليق بأن يكونوا حراس عرشه، وحفّاظ عيشه الذي هو أصل عيشهم، ولعلّهم برجوعهم إلى الحق يرجعون إلى العيش الضيق والشظف الذي كان يكابده السلف، وذلك ما يرجفون لذكراه، وربما خرج بعضهم عن منصبه لسبب، فرأيت منه من الأفكار ما سرك وتمنيت أن يكون ذا منصب حتى يكون للإصلاح خير ظهير. هذا أضعف السببين وأقواهما شعورا أكثر هؤلاء بالقصور عن درجة العلم الحقيقي وصعوبة اعترافهم بالحقيقة ما داموا علماء رسميين، فغالطوا أنفسهم كما غالطهم أولي الأمر، وأنفوا من ظهور ذي حجّة لقصورهم مبينا.

م أقول ما أقول غير قاصد فردا أو جمعا خاصا، ولكن هو وصف لمن اتصفوا بالعلم قديما وحديثا، إلاّ أهل العلم من خير القرون، فلقد كان العلم على عهدهم غير رتبة يمنحها الولاة للذوات، ولكنه حكمة يختص بها الله فريقا ممن جاهدوا في سبيل تحصيلها، وكانوا يطلقونه على أهل الرواية وأسرار التنزيل، وكذلك كان العلماء أحراراً في الاستنباط والفهوم، وكان العوام أحرارا في الأتباع والتّقليد، ولكن ملوك الاستبداد لما رأوا أنّ الدّعاوي السياسية لم ترتكز إلا على أصل ديني، اضطروا إلى إيجاد قوة تؤيد ما هم عليه من جليل الأشياء وحقيرها، فتجعله للدين أصلا، ويوفق بينها وبينه ولو بالتمحل في التأويل، ولن يرضى بهاته المنزلة الدينية إلا ذو البضاعة المزجاة في العلوم، فإن العالم الذي أشربت نفسه عزّة العلم لا يرضى أن يخدم غرض جاهل تلقاء قليل أو كثير من الحطام، وإنّه ليلقى أشد صعوبة إذا رام أن يخالف ضميره ويأتي أمرا نهاه عنه ما تلقاه. ولم يخل قرن من الأيام الخالية بعالم يقوم بإنكار ما يرى ويجهر لتلك الفئة أنّهم على ضلال، وما هو إلا أن يرنّ صدى مقاله في آذان الملوك الذين يضرهم قوله، فيجردون عليه جيشا من أولئك الذين ألبسوهم العلم، وقلّدوهم تاج المعارف) إذا كانوا يوقنون أنّه لا يغني عنهم في تلك الغارة سيف ولا سنان، ولا ينفك أولئك عن مطاردة الحق حتى يخفت صوته ويستقر في أذهان العامة أن أولئك

118