الصحافي المناضل سليمان الجادوي ابن الحاج يحيى الجيلاني

الصحافي المناضل سليمان الجادوي

الجزء ١ · صفحة ١١٥

العلماء يجاهدون في سبيل الدين وهم يجاهدون في سبيل شهوة الحاكمين، ويقوم لديهم في بعض الأحايين الباعث الآخر على مطاردة أولئك المحقين، وهو خوف رجوع أولي الأمر والعامة إلى مرجع أولئك النابغين، فيفقدون منزلتهم التي تبوأوها عن غير حق، ويظهر جليا عليهم القصور، فأرهفوا الحدّ استعدادا لتلك الطوارئ ونصبوا الإسلام على أسنّة أقلامهم، وقالوا إما التقليد لكلّ ما ترون، وإلا فليس إلا إلحاد وزيغ وضلال، دون أن يكلّفوا أنفسهم مشقة الاستدلال. ولئن سألتهم عمّا يقصدون من إشهار تلك الحرب العوان، ليقولون إنا حماة الدين، وإنّه ليوجب علينا تغيير منكر رأيناه ما لهم لا يغيرون ما بين أيديهم من المنكرات، بل بالعكس تراهم قائمين عليها وبها يأمرون ألم تر أنّهم يبصرون الشموع كالأساطين والمصابيح الألوف تسرج، ونور السراج الوهاج يضيء ما بين اللاتين؟ ألم تر أنّهم يبصرون المباخر الفضية توضع في مجالس أحاديث الرسول (صلوات الله عليه وهو ينهى عليها وهم بها رضوان؟ ولكنّ هذه المنكرات الصريحة لا يسيؤهم مثلما يسيؤهم من ينادي بأنّ الخلاف بين فرق المسلمين يمكن تسويته، وأنهم لو أحسنوا المناظرة لما اختلفوا، وأنّ تنديد بعض هذه المذاهب ببعض في غير محله ولا ينبغي الإقرار عليه. وإن من قام بهاته الدعوة وقرع بها أسماعهم وهي كما رأيت أقصى ما يتمنى المسلمون لا يكون جزاؤه منهم (أي من هؤلاء العلماء) سوى رميه بالاعتزال، بل بالمروق والزيغ والإلحاد، والاستدلال على ذلك لديهم هين إذ لا يتجاوز حكاية منامة رآه فيها مسود الوجه، متغير الحال كما بلي جمال الدين الأفغاني (بسميه) وكما بلي به الشيخ محمد عبده بمجنون، بيروت، وكما بلي من قبلهما الغزالي بمن لا يصلح أن يكون شراكا لنعله فرموه بالزندقة والإلحاد والكفر والاعتزال لاعتقادهم وأن الاعتزال (منقصة ويطلقون كل هاته الألفاظ على شخص واحد مع علمهم باختلاف معانيها، ولكن حيث كان الباعث على قذفها الغيظ والعداء لا يرون حرجا في جمعها في كنانة واحدة إذ جعبة الغضب أوسع من جعبة الحقِّ، ويجرؤهم على ذلك مركزهم الذي يجعل كلامهم مقبولا ويأمنون به مناقشة الحساب.

119