الصحافي المناضل سليمان الجادوي
الجزء ١ · صفحة ٦٠فنقول والله المستعان: تاويل کا درسة المهنا المواليت كاسية عالم جاء الدين الإسلامي وفي العالم ملل لها كتب سماوية، ورئاسات دينية قوية، وعلوم وآداب مليّة، وشروح وتأويلات في المعارف اللاهوتية، وكلّ ما يختص بالأمور الرّوحيّة، وكانت الشعوب دائنة لهذه الملل وراضية بحمل نيرها، ومتعصبة لها غاية التّعصب. جاء الدين الإسلامي والنّاس على هذا الحال في مشارق الأرض ومغاربها، فأتى للعقول بشيء من الدين واضح المباني، جليّ المعاني، ظاهر المرامي والمقاصد، قويم المناهج والمراشد التفتت له الأمم في بساطته وسماحته، وإمكان الإلمام بمجموعه في سويعة من زمان. نظرت إلى ما عندها من مسائل ومشاكل، وما شرحت به من مقالات ومؤلفات ركمتها الأجيال الماضية وشرحتها الأجيال اللاحقة، فجاءت علما وإن كان ثابت الأركان، ومشيد البنيان، مؤيّدا بالحجّة والبرهان ومحوطا من العلوم الجدلية بأسوار من بيان. ولكن ليس فيه ما تطلبه النّفس من روح الدِّين، وأنوار اليقين فهو بناء لا يتردّد النظر في فخامته وشموخ بنايته، ولكن للروح من الدِّينِ معنى آخر ليس في هذه المباني الشامخة عينه ولا أثره، فلذلك لم تَرُدَّ لاهيا عن لهوه، ولم تردع سفيها عن جهله، ولم تأخذ على النفوس مسالك الرعونة فتزعجها إلى النّظام وتهيب بها إلى السكينة حتى أن حفظة الدين أنفسهم، سقطت منزلة الدِّين من أعينهم، وجلت معانيه عن أفئدتهم، فتركوا لأنفسهم عنان الشهوات فجرت بهم في ميادين المنكرات أشواطا بعيدة وما زالوا كذلك بين التنويه والحيلة في حال كلّها تصنع وتكلّف، حتى جاء الإسلام بتلك البساطة الفطرية، والطلاقة الإلهية، فآنست الأرواح فيه مطلوبه فأهرعت إليها ألوفا وملايين، حتى دخل فيه من الشعوب المختلفة نحو من مائة مليون من النفوس في أقل من قرن، واحد رغما عن جهل الأقوام وتعصبها، وصد القادة عن مرغوبها، وما زال الإسلام يتوالى حتّى انحرف المسلمون عن صراطهم فأعقب ذلك جمودهم الذي هم فيه الآن، فبقت بقية الأمم في غيابه الغباوة، كلّ جامد على عقيدته، حتى جاء دور العلم الأوروبي في أوروبا فتلتل بالنّاس إلى النظر والفكر، وحنّهم على التّعلّق والتأمل، ثمّ واجههم
64