الصحافي المناضل سليمان الجادوي
الجزء ١ · صفحة ٦٩واستجدت له أنواع منها، يخلقها العمران إن كانت غير ضرورية له، وهلم جرا، حتّى يصل إلى الحد المقدور له فتكون تمّت صنائعه وأنواعها بمقدار هذا الرقي، وعلى نسبة هذه الحال الطارئة عليه. القال و الجمال فالهمجي مثلا يمشي عاريا أو حافيا ولا يجد حاجة إلى ما ينتعله ويشتمله والمدني قد تجاوز الانتعال والاشتمال إلى لبس الحذاء والكساء على هذه الأوضاع المعروفة، وأوصلته مدنيته إلى الاحتياج إليهما وهما مفرغان في هذه القوالب المحكمة حتى لو لم يكونا كذلك لنظر إليه قومه وهو كاس بهما نظرة اشمئزاز واستخفاف لا تصدر من الحفاة العراة إذا رمقوا بعضهم بعضا وهم كيوم ولدتهم أمهاتهم مجرّدين من المخيط والمحيط، فقد وضح بذلك أن الصنعة بنت العمران، كما أنها مادته التي يتكوّن منها، فإذا زخر بحره وامتد رواقه فإنّما يكون ذلك بكثرة الصنائع المقوّمة له حتى تتنزّل له منزلة اللبنات من البنية أو الأعضاء من الإنسان. ميلاد تتعشب شهبته قيب بالعالم وإذا تقلّص ظلّه، اضمحلت تلك الصنائع، ولا يبقى منها إلا الآثار العادية التي لا تقوى على محوها معاول الدهور، وحينئذ يقضى على أهل تلك الصنائع فينقرضون بانقراض العمران، وتتراجع ملكة الصناعة إلى
القوم
حالتها الأولى من البساطة والسذاجة فيان لة رية تحفة وعلى هذا فالصنائع المستجادة من نتائج العمران والعمران ثمرة من ثمار المدنية، وهو السوق الكبرى التي تنفق فيها السلع وتروج بما يتطلبه التأنق في الملبس والمسكن والمأكل والرّياش، والزينة من الكماليات التي تنقل باستفحال العمران إلى ضروريات لأناس، وشبه ضروريات لآخرين. هذه هي منزلة الصناعة بالقياس إلى الإنسان، ومنها تعرف أنها حياة لقسم كبير من الأمة يعتمدون عليها في تحصيل أرزاقهم، وتعظم نسبة هذا المعاش بتوفّر الدواعي على طلب هذه الصنائع بما يحدثه العمران من حاجة الناس إليها حتى ربما كانت نتيجة الصناعة للماهر الحاذق البصير بها ثروة واسعة ومعاشا رفيها وغنى ليس وراءه غنى. ومتى اشتهر أهل قطر بالحذق في الصنائع وحسن القيام عليها، لم تلبث حتى تتجاوز حدود قطرهم، وتنتقل من مكان إلى مكان، فيكون لها سوق
73