الصحافي المناضل سليمان الجادوي
الجزء ١ · صفحة ٨٦حملها ما يلزم لترميمها من الصخور العظيمة، والأدوات الثّقيلة الخارجة عن الطرق، حتى إذا أنهت على أتم شكل أركضها في جوانبها لقضاء حوائجه، وسيرها في شوارعها تئن تحت عبء مآربه، إلى أن يعيبها الكلل، وينهكها الملل، حتّى لا تعود تقدر على النّهوض، فيعمد لأشجار كانت تأوي لها مقيلا ومبيتا فيفتت أكبادها، ويكسر أعوادها، ويأخذ منها ما صلب ملمسه، ومرّ طعمه، ويظل يضرب به في ذلك الطريح من التعب، حتى يمرضه أو يموت، وهو البريء من الآثام البعيد عن الإجرام الراضي بالمسكنة حظا، المتأزر بالخنوع المجبول على السكوت ولو ريق دمه وهدر، وأحرم من سائر الامتيازات الحياتية، ولو وضع في عنقه السيف، ولو جُوع الشهور المديدة، ولو أضمي الأيام العديدة، ولو أصلي النار الحامية لا غبار أن تلك المزاعم من الوجاهة بمكان، فلا تتطرقها وصمات اللّهم كيفما يتفلسف الإنسان في فهمها، وتأويلها بالحماقة
بعيد، وتفسيرها بالطيش غير سديد، فلم يبق إلا إعطاء الحق لصاحبها والتسليم لما أدلى به وليظهر ما يظهر من المكابر المخطال، فإن ملاحظة هذا النوع الشريف من السوائم صواب في صواب لا تقبل الخدش بحال أما العلم، فمكلاف بالفتوحات، مقراع الأبواب المشاغبات جزاع من النكبات، والحوادث الملمات، حريص على اقتناء الأرض والسماوات وسيادة ما فيها من المخلوقات، مفتونا بالحفلات والاجتماعات عشاق لاقتحام المشاق في سبيل الرغبات، فلا تصده العقبات، ولا يهاب الورطات ولا يبالي بالزلات، حتى بين قومه وذويه، وعشيرته التي تأويه، فلا يقرّ له قرار، إلا إذا أنشأ مشكلة، أو أثار فتنة،
أو أحدث مقتلة تسير بذكرها الركبان عملا بقول الشاعر الحكيم: إذا أنت لم تنفع فضُرَّ فإنّما يراد الفتى كي ما يضر وينفع لا كما عليه الصنف الأوّل من الهدوء المتوالي والسكينة المسترسلة. يروى أن سربا من القطا تنازع حينا مع أبابل من حمام، أو أن فئة من الأسود واقعت يوم الخنازير مثل ما يتطلّع له العلم الذي لا يثبت على غير ما يوليه السمعة المهيبة ويزيد في نطاق سيطرته حتى يعم سيله الربى ويفيض كأس نصره على جميع العناصر، فيسوقهم بسياط من عذاب
90