الصحافي المناضل سليمان الجادوي
الجزء ١ · صفحة ٩٥1250
نفسه حكم عدل لا يميل للاستئثار لا بالمراتب وما اتصل به، ولا درس أسباب الحياة ولا إلى داعي القضاء ولا غير ذلك. ومنها الإخاء، بأن يحب المرء لأخيه ما يحبّه لنفسه، حالة كونه مجردا عن عوامل البغضاء والحسد، ناهجا مناهج التّواصل والائتلاف متجنّبا مظان الضغائن والاعتساف، شدادا لحزم بني جلدته، معينا لهم في السراء والضراء، لا يرتضي بينهم نزاع، ولا يشح عليهم بمتاع، ويأبى أن يكون سهما يصيبهم أو نبلا يهينهم، أو باترا يضرب أعناقهم، أو لما يثخن قواهم، إسوة بما كان عليه السلف الصالح، إلا الخلف الطالح. ومنها السعي بأن يكون الرّجل حازما نشيطا في روحه الكد، وبين جوانبه الجد، لديه البطالة حرام والتقاعس من أكبر الآثام، يواصل ليله بنهاره فيما يكسبه النخوة، ويسمو به على ذرى الشرف، يخدم الأرض حق خدمتها، ويربي الحيوانات حق، تربيتها، ويُنمّي التجارة حق تنميتها، ويُنظم الإدارة حق تنظيمها، ويُنمّق الصناعة حق تنميقها لتحظى بالإقبال والرواج، وتبعد عن ساحة الكساد والإمجاج، فينتفع ويُنتفع به، ويعاذ من الدين وما يترتب عليه من المقت والفقر، وما ينشأ عنه من الهم القيامة ومنها الاقتصاد بأن لا يسرف المنفق في عيشه، ولا يتغالى فيما يلزمه من القماش المنشستري، والقرمسود الهندي، والكور المكي، والبرنس البردي، بل لا يتجاوز ما عليه الأوساط، فإن البذخ من أسباب الخراب والتبذير من مقدمات الدّمار، ولنا العظة البالغة في تاريخ الأندلس المنبئ بأن لا باعث على انقراض أهل الجزيرة غير الانغماس في الشهوات والملاذ على أنّهم لم يصلوا الغاية التي وصلناها، فلم نجد في أخبارهم ما يثبت أنّ أحدهم بلغ به التّفاني في تبديد الحطام لأن يرهن عقاره، أو يبيع داره لوليمة الختان أو العقيقة المعروفة، حتى لا يعود بتلك قوت يومه، كما وقع لبعض التونسيين لأعوام خلين، بل ولا ما يفيد أن أرباب الثّراء فيهم ينوّعون الغذاء إلى عشرين صنفا من الطعام والإدام والخضر والبقول والعشاء إلى خمسين ضربا من ذلك، طبق ما هو جار عند الكثير فينا، مما يقضي بالعجب لبقائنا مع هذا الحد، وسقوطهم لذلك العهد.
99