الصحافي المناضل سليمان الجادوي
الجزء ١ · صفحة ٩٨وثمت طفقت أجوب أعماق البلاد لإبلاء العباد، وكشف الأسرار واستقصاء الأخبار، فساقني المرور، إلى حيث شامخات القصور فاقتربت من باب فإذا بقعقعة كصوت السحاب أو هي أجزع وأنزع فدق قلبي، وطار لبي، وخُيّل لي أن جاء الزلزال، وأذنت الدنيا بزوال، ومازلت بين هذه الأخطار، وهذاك الانذعار، حتى خرج علي رجل زنجي وبيمناه بطاقة خضراء، وفي يسراه ورقة حمراء، هذه مكتوب بطرفها ادخل لتحظى بالمثول بين يدي القيصر، وتسعف بما تشتهي من بين يدى القيصر، وتد الميسر) وعلى واجهة تلك لا ترتاع مما تبصر، وإياك وتغيير المنكر، كي لا يطرقك الرّدى، ويذهب سعيك سدى، وتكون كالساعي بظلفه لحتفه. فمكثت هنيهة أتدبر في عاقبة هذا الخطب المنذر، ثم تقدمت والخوف ينهب الكبد، والفؤاد في كمد، فما جاوزت المراقي، حتى بلغت الرّوح التراقي، وإذ ذاك ألفيت قاعة فسيحة، وخميلة مليحة ذات أنهار منهمرة، ونسيم تلين البشرة، فأزيح بعض الوجف مني، وشعرت براحة في بدني، فتماشيت في ذلك البلاط البهي، والروض الشهي، فنما اطمئناني، وتحقق أماني، ولم يبق لي إلا ألم الأتعاب، ووحشة الاغتراب. وبينما أنا على هذا النّشاط، وذلك الانبساط، إذ ظهر السلطان في أقرانه للتنزه، ببستانه، ثمّ لانتصاف المظلوم من الظالم والمكلوم من الكالم، فما كدت أن أشاهد المشهد، يؤم ساحة المقعد، حتى أخذني الخجل، وخامرني الوجل، وبقيت على خلّة القبض، أنتظر برهة العرض إلى أن حان الوقت المعلوم، لفصل القضايا والخصوم، فتشكل المجلس من قسيس، وعضوين ورئيس اسم الأوّل التّعيس، وكنية الثاني النّحيس، ولقب الثَّالث إبليس، فلم تكن إلا لحظة عين حتى دس لي بعض المعربدين بأن أولئك الزّعماء، والقادة العظماء، فتهيأت للتفرج، وجعلت أتدرّج، بتماهل طويل، وخطو ثقيل، إلى أن انتهيت لأمكنة المجتبين ووقعت العين على العين، فألفيت بينهم شبحا طرفه طالع الصبح، ووجه في غاية القبح، وبعينه احورار، لكنّها كشعلة من نار، فاستفهمت من هذا - فقيل لي لماذا - فصحت ما هجرت الأوطان، إلا في سبيل النجدان فأجبت بأن هذا المقدس المشهور، حضرة الأمبرور، فدنوت من رجليه
102