عمان الديمقراطية الإسلامية لحسين غباش
الجزء ١ · صفحة ٣٤أن يلاحظ أن هذه المجالس كانت، وقتذاك، سرّيّة وتعقد اجتماعاتها في المخابئ تجنّبا لاضطهاد الدولة. وكان على الإباضيين، السرّيّين منذ بداية تاريخهم، أن يبرهنوا على إحساس حادّ بالتنظيم وروح انضباط لا تشوبها شائبة. أرست هذه المجالس، الأولى من نوعها، الأسس التنظيمية والعقائدية للحركة. ومن المنطقي الاعتقاد أن قسماً كبيراً من موادّ الدستور الإباضي صيغ أثناء مرحلة الكتمان هذه، على الرغم من أن الدستور نفسه لم يظهر مكتوباً متكاملاً إلّا في القرن الثالث الهجري، إثر سقوط إمامة الصلت بن مالك في عُمان (237 ه / 851 م)، الذي أثار جدلاً دستورياً امتدّ قروناً. وكان وراء إنتاج العلماء الإباضيين بعض أفضل أعمالهم المذهبية والفقهية والتشريعية والدستورية. ومن بين المبادئ الأساسية التي حدّدتها هذه الحركة وتميّزت بها، نشير هنا إلى ثلاثة مبادئ هامة: أوّلاً: أن الإباضية أكّدت على الاعتدال كمبدأ أساسي في محاكمتها للأمور ورفضت، خلافاً لجماعات أخرى، مبدأ الخروج. وبعبارة أخرى، رفضت مهاجمة أية جماعة أخرى أو الدخول في حرب ضدّ أي طرف آخر، إلّا في حال تعرّضها لاعتداء. كما أقرّت، بالمقابل، المبدأ المعروف، في ذلك الحين، باسم " القعود " وفضّلت العمل السلمي والسرّي، غالباً، لنشر المذهب الإباضي. ثانياً: تمسّكت الحركة بعدم الثورة على الحكام القائمين، شريطة أن يكونوا عادلين وأن يُراعوا الشرائع الإسلامية. وبالمقابل، التزمت الحركة، مذهبياً، بإعلان إمامة الظهور لإسقاط حاكم مستبدّ وإحلال الإمامة محلّه. ثالثاً: أقرّت الحركة، مرحلة الكتمان كمرحلة هامّة للمحافظة على نقاء العقيدة وسلامة الحركة ضدّ الاضطهاد. ويعتقد أنه خلال هذه الحقبة التي امتدّت أكثر من نصف قرن، أقرّ العلماء الإباضيون مراحل الإمامة أو حالاتها الأربع: الكتمان، الشراء، الظهور، والدفاع، التي تعرف أيضاً بمسالك الدين والتي لم تلبث أن تحوّلت إلى قواعد ثابتة في الدستور الإباضي.