الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية
الجزء ١ · صفحة ١١٠نفس خط الأنبياء، الذي يلعب على المشاعر الدينية لما تبقى الصحابة وأبناء من الصحابة والقراء. فأصبح ابن الزبير يمثل طموحاتهم ومثلهم. ومن هنا تكمن ضبابية هذا البرنامج السياسي الديني.
فكأنه أراد بذلك أن يسلك سياسة مناهضة ومناقضة ومخالفة للأمويين حتى يعتم عليهم ويبين أنهم لا يصلحون للسلطة من باب نقص شرعيتهم التاريخية بالمقارنة معه. لكنّ هذا البرنامج السياسي هو برنامج ضبابي. وربما كان عدم الوضوح مقصودا من ابن الزبير ليَعِد النّاس بمبادئ كان الخلفاء الأوائل يتبعونها، أو يوهمهم بأنه سيسلك فيهم نفس سياسة أبي بكر الصديق جده أو عمر بن الخطاب. فهل كان ابن الزبير واع بتغير الأوضاع وتركيز الخليفة معاوية بن أبي سفيان لدولة ذات مؤسسات شبيهة بالبيزنطيين أي دولة دنيوية. لكنها كانت في نفس الوقت دولة تركز الإسلام بالجهاد؟ هل كان ابن الزبير مدركاً لعدم تزامن ما يدعو إليه مع هذه الفترة؟
كان خطاب ابن الزبير متناقضا لأنه من ناحية يظهر غير محبّ للدنيا بالمعنى السياسي والتلذذ بالسلطة. ومن ناحية أخرى، كان حريصا على الدنيا أي السلطة مستعملا العنف في أقصى درجاته. ونجد صدى هذا الاستنكار لسياسة ابن الزبير في الأشعار وخاصة قتله لعمرو، فقد أنشد كثير (?): تخبرُ مَن لاقيتَ أَنَّك عائد بل العائد المحبوس في سجن عارِمِ
كما قال الضحاك بن فيروز بن الديلمي - وهو من أحرار اليمن: تَقولُ لَنا أَنْ سَوْفَ تَكْفِيكَ قَبْضَةً وبَطْنكَ شِيرٌ أو أقل من الشبر وأنت إذا ما تلتَ شَيْئًا قضمْتَهُ كما قضمَتْ نارُ الغَضا حطب السِدْرِ لَكُمْ سُنَةُ الفاروقِ لا شَيْء غَيرَهُ وسُنَّةُ صديقِ النَّبِيِّ أبي بكر
(?) البلاذري، مصدر مذكور، ج ?، ص 332.
???