الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩وجوب
السلطان.
فهل كان مسلم بن عمرو على علم بمخططات الخليفة والوالي وسعى لتوريط هانئ بن عروة؟ نرجح أنه كان على علم بهذه المخططات بما أنه كان مقربا من الخليفة وأرسله بعهد عبيد الله بن زياد على العراق. وأراد أن يحل الأزمة التي اندلعت بين الوالي وعبيد الله بن زياد أي إحضار هانتا لمسلم بن عقيل في أقرب وقت ممكن كما اعتبر مسلم بن عمرو تقديم هانئ للوالي، عمل ليس فيه منقصة أو عار لأن عبيد الله بن زياد هو ويبرز هنا مفهوم السلطة والسلطان على لسان أحد رجال الدولة الأموية. فقد تجاوز مسلم بن عمرو مفاهيم الجوار والدمام ليؤكد بطريقة غير مباشرة على الطاعة للسلطان. وهذه الطاعة للسلطة الأموية يمثلها أهل الشام أحسن تمثيل. بينما كان هانئ من موقع سيّد العشيرة يُؤمن إيمانا قويا بشرف الجوار والدمام والضيافة. فهي مبادئ أخلاقية لكنها تعني وقوف وانتصاب جسد السيد بكل قوته مع تدخل رجاله أو أعوانه وهم كثيرون لكننا ليس لدينا فكرة واضحة عن عددهم. كما أن العلاقة التي تربط هانئا برجاله أو عشيرته كانت تحميه وتخلّصه من أتي عنف يتعرّض له حتى من تجبر ابن زياد ومن هنا استمد هاني قوته على رفض الاستجابة لمطلب الوالي. كما أنّ هاننا مستعد بأن يُضحي بنفسه ويموت ـ في صورة عدم وجود ناصر له - في سبيل الوفاء لهذا المبدأ، مبدأ الجوار. وهنا يبدو البون الشاسع بين الخطاب الانتروبولوجي القديم من جوار وذمام والذي سيستند على الأخلاقية الموجودة في القرآن والسنة ليكون خطابا دينيا. بينما تطوّر الخطاب السياسي الأموي الذي يستند على القوة المبرمة والعنف السياسي.
وكان هذا النقاش بين الطرفين يذكرنا بالنقاشات التي كانت تدور بين الخليفة عثمان والثوار والتي لم يصل فيه الطرفين إلى حلّ أو اتفاق. وعلى هذا الأساس، الفتنة بين الشقين كصراع بين خطابين متصارعين.
انتصبت
236