تاريخ العدواني
الجزء ١ · صفحة ١٥إن كتاب العدواني يدخل من جهة فيما يسمى بالتاريخ المحلي. فهو
يؤرخ لحياة القبائل التي استوطنت الجنوب الشرقي من الجزائر والجنوب الغربي من تونس وأصولها العربية ومسيرتها من المشرق إلى المغرب، وصراعها ضد الحكام من حفصيين وعثمانيين. كما يؤرخ لحياة الناس تحت حكم المغامرين من مختلف المدن طرابلس قفصة، القيروان، توزر، بسكرة، قسنطينة الخ. وفي أثناء ذلك يتحدث عن المرابطين ودورهم مع العامة، وعن الحكام وعلاقتهم بالأجانب كالإسبان
وهو من جهة أخرى كتاب يدخل فيما يسمى بالأدب الشعبي. فلغته وعادات الناس الذين يتحدث عنهم، والمرأة والأساطير التي يرويها، والحكايات والمغامرات والكرامات الخ. كل ذلك يجعل منه قطعة من الأدب الشعبي الذي تقرأه فكأنما أنت تقرأ قطعة من تغريبة بني هلال أو ألف ليلة وليلة، أو كما لاحظ بعضهم يصبح كتاباً صالحاً للقراءة في الأسمار والمجالس للتسلية والعبرة والتفكه وتوسيع مجال الخيال. إنه من هذه الناحية أشبه ما يكون بكتب الملاحم فيها الواقع والخيال والأسطورة.
فإذا رجعنا إلى المستوى الوطني لاحظنا غياب التدوين التاريخي خلال القرن الحادي عشر في الجزائر حقيقة أن هناك أعمالاً تدخل في إطار التراجم والتصوف والمناقب، أما التاريخ فلا نكاد نعثر له على كتاب ذي بال، عدا كتاب (نفح الطيب) لأحمد المقري وكانت الجزائر عندئذ تعيش عصر ازدهار الجهاد البحري (القرصنة)، كما كانت تعيش عصر ازدهار التصوف والطرق الصوفية. وقد لاحظنا ذلك من دراستنا للمجتمع الجزائري في الغرب حين عالجنا كتاب (كعبة الطائفين) لمحمد بن سليمان، والمجتمع الجزائري في الشرق حين عالجنا كتاب (منشور (الهداية) لعبد الكريم الفكون. وكلاهما من علماء القرن الحادي عشر وهو القرن الذي أنتج فيه العدواني كتابه الذي نحن بصدده. وكأن هؤلاء المؤلفين الثلاثة كانوا يكتبون بروح واحدة رغم أنهم قد لا يكونون التقوا أبداً، ورغم بعد المسافات بينهم
13