تاريخ العدواني
الجزء ١ · صفحة ١٦يستوحي
عندئذ. ولعل الفرق أن ابن سليمان كان يستوحي مجتمع تلمسان وأن الفكون كان يستوحي مجتمع قسنطينة، أما العدواني فقد كان: مجتمعاً بدوياً حكمت عليه الأقدار والطبيعة أن يتصارع حول بعض الواحات وآبار المياه والمراعي أو حول مدن ثانوية مثل القيروان وقفصة وتوزر وبسكرة. ويجب أن لا نتوقع أن تاريخ العدواني سيلبي مفهومنا اليوم للتاريخ. ففي عصره لم يكن التاريخ قد فصل عن بقية العلوم الأخرى، وإنما كان متداخلاً مع الأدب والجغرافية والرحلات والتراجم وحتى التصوف والنوازل. ولم يذكر العدواني عنواناً لكتابه وإنما سماه بعضهم في نسخة (أ) (كتاب الأخبار في القصص على نسب بعض الأوطان وعمارة سوف وأجوبة على مسائل وفوائد شتى). وقد ترددت كلمة «الأخبار» كثيراً في الكتاب، وكانت الأخبار عندهم هي مادة التاريخ والعارف بها يعتبر مؤرخاً ونسابة. ولكن الحس التاريخي موجود وواضح عند العدواني، ففي كثير من المرات كان يطلب من الراوي صفوان أن يدون الحوادث بقوله: اكتب يا صفوان. … شعوراً منه إن الكتابة هي وسيلة إنقاذ التاريخ ولو اتسع الإحساس بالتاريخ على هذا النحو عند علماء الوقت لوجدنا ربما أكداساً من المخطوطات التاريخية حول مجتمعنا ومدننا وتفكيرنا في مختلف العصور. ولكن ذلك لم يحدث فأمثال العدواني إذن قليلون في حياتنا الثقافية.
.
وكما لم يذكر العدواني عنواناً لكتابه، كذلك لم يذكر مصادره إلا عرضاً. ومن الواضح أن مصدره الأساسي هو الذاكرة القوية التي استوعبت الأحداث والأنساب وأسماء الأماكن والأشخاص والقبائل ونحو ذلك. ولذلك قلنا إن العدواني كان راوية أخبار ولا يمكنه أن يكون كذلك إلا إذا كان حافظاً» من الدرجة الأولى ولا يعني ذلك أن الحافظ لا تخونه الذاكرة، أو أن الراوي لا تكبو به الرواية. ومن الغريب أن العدواني لا يستشهد بالشعر رغم أنه عربي هلالي، ولولا بعض الآيات القرآنية لخلا كتابه من النصوص الرئيسية للأدب والبلاغة العربية. أما الرواية الشفوية فالظاهر أنه كان له منها حظ كبير. ذلك إننا نجده يشير إلى روايته للأخبار الثقات، عن
14