الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩المبادلات و الفضاءات الاقتصادية الداخلية.
لكن هذا الفضاء الاقتصادي لم يكن دائما متحكما فيه، ووجب على بجاية مواجهة الصعوبات التي كانت أحيانا مزمنة وأحيانا. ظرفية. ووجب عليها أيضا الاستعداد لمنافسة عدة مدن أخرى مثل قسنطينة وبعد ذلك الجزائر، وجهات كاملة تخلصت دوريا من حيّز تأثيرها. كما وجب أيضا على ملوكها أو حكامها احتواء عواصف القبائل الرحل، خصوصا تلك المنحدرة من الهجرة الهلالية المتأخرة. إذا ما توصلوا إلى فرض نظامهم بين منتصف القرن الثاني عشر ونهاية القرن الثالث عشر، فإنه لم يكن كذلك في بداية القرن الرابع عشر.
توافقت فترة الأزمة هذه مع الصراعات السياسية المستمرة- حيث اشتبكت الطموحات المجالية العبد الوادية ثم المرينية - والصراعات الداخلية للحكم الحفصي واللعب المعقد للقبائل. ونجم عنها اضطراب الطرق ودون شك الإنتاج الريفي وفقدان البشر، حيث ازدادت حدة مع وصول الطاعون الكبير في منتصف القرن الرابع عشر، والذي ساهم في تشديد الحالة الديمغرافية التي كانت منحطة. سمح وصول سلاطين حازمين إلى عرش تونس والصعوبات الخاصة بالسلطنة الغربية بعودة الهدوء في نهاية القرن الرابع عشر، لكن في جهة مستها بحدة الأزمة التي عبرتها.
أكدت صعوبات الداخل وضخمت من تحول مركز الثقل السياسي والاقتصادي للجهة نحو الساحل. بالنسبة للحكم، كان هذا التطور ضمانا أكبر للأمن ووفر إمكانية موارد ضريبية مضمونة جلبها من التجارة البحرية. وسمحت للمدينة على الصعيد الاقتصادي بأقل التبعية إلى الداخل، وخصوصا الاستفادة من الديناميكية المتنامية للمبادلات المتوسطية بداية من القرن الثاني عشر. واندمجت إذن المدينة في الشبكات التجارية الموسعة التي شجعت من
مبادلاتها.
308