الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٥تطور مرتبط بتحولات في المغرب و البحر المتوسط
إلى هنا، لم تكن بجاية أبدا هدفا لمحاولة استيلاء من طرف القوى المسيحية. بالعکس، ارتكزت مشاركتها في التجارة المتوسطية في قسم كبير منها على علاقات جيدة بصفة عامة مع المدن التجارية الكبرى في الشمال. في هذا المعنى، كان الاختلاف ملحوظا مع المشرق الإسلامي الذي شهد الحروب الصليبية وأكثر من ذلك سياسة عسكرية هجومية للمسيحية. لم تقص هذه العلاقات المؤطرة والمقننة بالمعاهدات فترات التوترات، لكن كانت هذه الأزمات دائما مخففة بالمصالح الاقتصادية المتبادلة. إن هذه القطيعة السياسية التي أحدثها الغزو الإسباني أبرزت بعمق مكانة بجاية في البحر المتوسط. فقد توقفت المدينة عن أداء دور الوسيط بين الشبكات المغاربية والمتوسطية التي شكلت ثروتها في العصر
الوسيط.
على المستوى المغاربي، برزت بجاية من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر كمركز بل كقطب مهيكل لمنطقة واسعة حيث سيطرت عليها سياسيا وأيضا ساهمت في تنظيمها اقتصاديا. ويرجع دورها هذا إلى موقعها في المغرب البعيد نسبيا عن المراكز السياسية التقليدية في إفريقيا والمغرب الأقصى، وإلى منفذ جهة جبلية تتحكم فيها بشدة أو بالعكس حسب الفترات. وأخيرا، موقعها البحري ومزايا مينائها جعلا منها مكانا استراتيجيا في فترة انتقلت فيها مراكز الثقل السياسي والاقتصادي للجهة نحو الساحل كونها عاصمة دولة زمن الحماديين، ثم مقرا لحاكم إقليمي له أهمية كبيرة عند الموحدين والحفصيين، حيث تمكنت من تركيز سكان كثر وطورت من الوظائف الحضرية العليا على مستوى جهوي، التي هي مرتبطة في قسم كبير منها بحضور الحكم بين أسوارها. إن وظائف التحكم هذه وكذا أهمية الحياة الثقافية والدينية المرفقة بالنشاطات الاقتصادية نجم عنه ازدهار جهوي امتد أولا إلى المقاطعة ثم إلى شبكات ممتدة إلى غاية بلاد السودان البعيدة أي إلى ما بعد الصحراء. في هذا الفضاء، ظهرت بجاية في قمة
- 890