الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٨تطور مرتبط بتحولات في المغرب و البحر المتوسط
التجار، ووظيفتها كنقطة التقاء كما قال الجغرافيون بين البحر المتوسط وبلادها الخلفية هي نتاج إرادة سياسية وحضور الفاعلين الاقتصاديين الذين من شأنهم العمل كشركاء تجاريين بأكمل وجه. في هذا المعنى إننا جد بعيدين عن صورة الركود الهيكلي أراد البعض إقراره في المنطقة بداية من القرن الحادي عشر. بل بالعكس، إذا ما كانت بجاية مقصودة من التجار اللاتين، فلأنها توفر لهم إمكانيات الغني المستمر. واعتمدت هذه الجاذبية على أهمية سوقها الاستهلاكي، وعلى ازدهار سكانها وقدرتها على تأدية وظيفة إعادة توزيع نحو الجهات الداخلية التي استطاعت التحكم فيها وتنظيمها. إن مجيء التجار الأجانب يفترض أيضا استقبالا جيدا للميناء ولإدارته وللأوساط التجارية المحلية، وأيضا لظروف الحياة والتجارة التي ضمنها الحكم. كل هذا يرسم صورة - حتى وإن كانت غالبا جوفاء لمدينة مزدهرة، نشطة وديناميكية، رغم الأزمات التي كثيرا ما كانت عميقة لكن استطاعت تجاوزها.
وبالرغم من ذلك فإن هذا الازدهار ارتبط بقدرة بجاية على ضمان الوصل بين شبكتين مشكلتين مختلفتين بشكل حساس. ففي الداخل، وجب عليها التوصل إلى التحكم في تسيير السلع والرجال في منطقة تخوم تخضع لقوى الأطراف القبلية والمناطق البعيدة، وأيضا ضغوطات القوى الجهوية، خصوصا في الغرب. وبذلك، فإن إشعاعها يمكن تحديده بعدم تنظيم الجهات الداخلية أو بمنافسة موانئ أخرى في الجهة التي تطورت في القرن الرابع عشر. ففي البحر المتوسط، اندمجت بجاية في الشبكات التجارية التي لم تتحكم فيها، وهذا ما مرّ عن طريق التأقلم مع الطلب الأوروبي، خصوصا على الصوف والجلود. وهذا يترجمه خاصة طريق التبعية الزائدة وحساسية أكبر اتجاه حركة الظروف في أوروبا وتغييرات الطرق التجارية في البحر المتوسط، وهذا ما يفسر الأزمة التي اجتاحت
-893