التجربة السياسية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٣٠التجربة السياسية عند الإباضية
143
هيمنت على كامل بلاد المغرب، ثم اتجهت إلى مصر لتنطلق من القاهرة
المعزية نحو المشرق، وهدفها الأكبر بغداد عاصمة الخلافة العباسية. وإن بدا هذا الحكم وراثيا على غير مسلك المحكمة، فإنّه لم يكن كذلك خاصة طيلة قرن من حكم هؤلاء، ذاك أنّ الإمام عبد الرحمان بن رستم تم اختياره للإمامة عن طريق الانتخاب الحر، فلم يكن عربيا ولا قريشيا - ومن قبل كان شيخه أبو عبيدة إمام أهل الدعوة ومرجعهم أسود اللون -، وإنما كان أعجمي الأصل، وقد اختاره أهل الحل العقد من أجل تقواه وعدم انتمائه إلى العصبية العربية، ذلك حتى لا تكون له عصبية تحميه فيستبد)، ومن أجل توفّر جميع شروط الإمامة فيه.
لقد ساس الإمام عبد الرحمان بن رستم الأمة طيلة عقد من الزمن سياسة لا تبتعد عن سياسة العمرين والنصف الأول من خلافة عثمان والإمام علي قبل أن يقبل التحكيم. إنّها الإمامة بحق كما دعا إليها المحكمة الأول، عدل ومساواة،
وإنصاف وتقشف وحسن تصرف في أموال المسلمين.
وبذلك استتبت الطمأنينة في عاصمة الإمامة تاهرت وفي جميع نواحيها، وحسنت العلاقة مع الجيران، وأقبل الناس على اختلاف فرقهم يتعايشون متآخين متناظرين يعبّر كل عن رأيه بكل حرية، لم يبتن الإمام قصرا ولا جلس على عرش ولا اتخذ حاجبا ولا عيّن وليا للعهد ولا اتخذ شارة من شارات الملك صغرت أو كبرت، بل ظلّ واحدا من الرعية يسهر على راحتها فيحتسب عليه علماؤها من المغرب والمشرق يفدون على العاصمة متنكرين فلا يجدون إلا ما يرضي الله
ورسوله.
(1) "لا سيما أنّه ليس له قبيلة تمنعه إذا تغيّر وتبدل.". أبو زكرياء السيرة ص ??