خاتم النبيين ج 1
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣- Converted by Tiff Combine (no stamps are applied by registered version)
فرضها محمد صلى الله عليه وسلم على نفسه بإرادته وقناعته؛ لأنه لو رغب في زواج لكان له أن يخطب أكرم فتاة في قريش، وأن يتزوج من أرفعهن حسباً ونسباً، وأغناهن جمالاً ومالاً.
لا
لقد كان قادراً على الزواج متى شاء، ولكنه مال عنه، لضعف وهو في ريعان الشباب والنضارة، ولا خشية إملاق لأن ما يحصله كان يكفيه ويكفي من يعول. بل لأن حاجاته الروحية كانت تشغله عن حاجات الجسد التي لا تثير اهتمامه. فمثلُها عنده كمثل المال لا يعتبره غاية يسعى إلى تحقيقها، لأن قلبه وفكره كانا مشغولين بما هو أسمى وأعلى: إنه يتطلع إلى بعيد، إلى ما فيه معالي الأمور، وجليل الغايات. إنه يرنو إلى غنى النفس وتزويدها بحقائق
الحياة
فهل تدع هذه العظائم مكاناً للهوى مكاناً للهوى عنده، أو تجعل لها سلطاناً عليه. . . أم أنها تجعل كل الرغبات وسائر الغرائز تحت سلطان إرادته
ودون سمو
نفسه!. .
لقد آثر محمد صلى الله عليه وسلم أن يعيش حياةً نقيةً، صافيةً، مُفعمةً بالروحانيات، بعيدةً عن هموم الجسد، ومباهج الدنيا وفتنتها؛ وهذا أمر طبيعي لأن من كان في طبعه كُره للأمور المادية، يستغنى عن
الزواج ما دام يرى فيه ما يعوق تطلعاته البعيدة ومراميه السامية ولكنه ـ على كل حال - إن صادف المرأة الحكيمة، الفاضلة، التي تقدر غنى نفسه، وتعمل على ملء حاجاته الروحية، وتقبل واقع طموحاته وتطلعاته، إنه عندئذٍ يُقدم على الزواج مختاراً، قانعاً.
(249)