مزاب بلد كفاح: دراسة تاريخية اجتماعية تلقي أضواء على نشأة هذا البلد وحياة ساكنيه إبراهيم بن محمد طلاي

مزاب بلد كفاح

الجزء ١ · صفحة ٢٠

نظام العزابة

تمر على المبادئ والمذاهب حالات عصيبة، تجعل المنتمين اليها في مأزق ح حرج، فاما ان يختاروا التشبث بها، والمحافظة عليها، وفيه من الجهد والعنت شيء كبير، واما ان يسلموها، ويتنكبوا

عنها، وفيه من وخز الضمير، وثقل المسؤولية عبء ثقيل ولقد أتيح للاباضية فرصة من الدهر ليست قصيرة، أقاموا فيها دولة في غرب الجزائر، على المبادئ التي طالما نادوا بها، وأخلصوا لها، وكان الامام الثانى أبو عبيدة مسلم التميمي المحدث البصرى يقول لطلبة العلم المهاجرين من المغرب وددت لو ظهر هذا الأمر، ولو يوما واحدا بالمغرب، ولا أبالى اذا مت، (1).

وقد حقق الله هذه الأمنية فى انشاء الدولة الرستمية الاباضية سنة 160 هـ في تيهرت، وبزوالها زال الحامى المكين للمذهب الاباضي وكثيرا ما تحمى الدولة، وتمد بالنماء والنفوذ مذهبا من المذاهب - وانهار سنده الذى كان يحتمى به، وشعر معتنقوه بمرارة الانهزام، وخيبة الرجاء معا، ولعل في القول المأثور عن الامام الأخير أبو يعقوب أفلح لأصحابه وهم فى انكسارهم فارين الى وارجلان: «افترقوا ولا

ينسب بعض المؤرخين هذا القول الى الرائد الاول الذي نشر المذهب الاباضي بشمال افريقيا «سلمة

بن سعد.

تتجمعوا، فمهما اجتمع منكم ثلاثة الا وطولبواء في هذا القول ما يوضح هذه المرارة، ويبين مدى يأسه. غير أنه لم يهن عليهم أن يستسلموا للواقع، ويتركوا الحوادث تجرفهم في تيارها، فقد حاولوا الوفاء لتلك المبادئ ما أمكن لهم، في أماكنهم التي نزحوا اليها.

وقد اهتدى المصلح الكبير الامام أبو محمد بن أبي بكر الى وضع نظام محكم يحفظ للمذهب مبادئه، ويمده بروح وحياة، دون أن يتعرض في هذا النظام لذوى السلطة والحكم من الأمراء وغيرهم. ونظام العزابة نظام اجتماعى مبنى على مراعاة الدين والمحافظة عليه، والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وارشاد الجهلة والأغرار. ولهذا النظام يرجع الفضل في بقاء رونق الاسلام، وطهارته في مزاب فترة من الزمن، طويلة، وفي محافظة غالب السكان على تعاليم الاسلام واتباع نهجه. وقد كان واضع هذا النظام حكيما الى أبعد حد، فلم يترك ناحية من النواحي الاجتماعية الا وجعل لمجلس العزابة عليه اشرافا مباشرا أو غير مباشر. وحسب ما يبدو أن هذا النظام قد أدخلت عليه تحسينات أوحت به الحاجة، وتعاقب الأحداث، وتجاربها، ويتجلى ذلك فيما سطر من هذا النظام في الكتب القديمة، وما هو متبع عمليا الآن

39

38