وادي مزاب المدينة الدولة
الجزء ١ · صفحة ٣٨w
واستطاع المزابيّون أن ينشئوا واحاتهم الاصطناعي على وادي مزاب و على روافده، واستعانوا على قس الطبيعة بعقيدتهم المتينة، وسلوكهم المستقيم
مائتي ألف نخلة
وإلى جانب الآبار بنوا على سفوح الجبال سواقي
لجمع مياه المطر وتوجيهها إلى الأجنّة، كما أقاموا و صبرهم على شظف العيش، و كدهم المستمر على وادي مزاب و روافده سدودا مختلفة الأهمّيّة، كما أقاموا تنظيما محكما لتوزيع المياه بالسويّة دون أن تذهب
وتقديس العمل اليدوي … (84)
فقد كانوا ينهجون نظام التقشف في حياتهم اليومية قطرة ماء سدى. (85) ويطبقون الاكتفاء الذاتي وهذا أساسيّ بالنّسبة إلى المدينة
أليس كلّ هذا بكاف لتأصيل الكيان والربط بين عناصر المجتمع ليتمكن من الحياة ليجعل منه مجتمعا مترابطا يعتمد الدّولة - وظلت النّخلة محور اقتصادهم، منها يأكلون
وبعناصرها يتخذون سقوف بيوتهم، ويصنعون أثاثه و أوانيهم، وفي ظلالها يستريحون، وتحتها يزرعون بعض البقول والفواكه.
لكن من أين الماء؟ ولا أمطار، إنّها الآبار، لقد انكبّ هؤلاء لإحياء واديهم على حفر الآبار بعزيمتهم الصادقة وصبره الدؤوب، فحفروا نحو ثلاثة آلاف بئر، يتجاوز عمق الكثير منها ستين مترا، وأحدثوا حولها حدائق التخيل يتجاوز عدده
على الاكتفاء الذاتي، وذلك من الأسس الضرورية والدفاعية لقيام المدينة الدولة.
لكن هل اكتفى المزابيون بالفلاحة؟ طبعا لا، بل أضافوا إلى تجارتهم المحلية التجارة في أطراف البلاد فدرت على أهلها أموالا طائلة، لم تكن سببا في إنشاء مدن وادي مزاب كما يتصور البعض، وإنّما ساهمت مساهمة فعّالة في تنميتها اقتصاديا واجتماعيا.
w
وكان أهل غرداية يكثر ذهابهم إلى قسنطينة و سطيف و غليزان وأهل بني يزفن إلى قسنطينة وقالمة وسوق أهراس والبليدة … وهكذا. ومن المزابيين من كان يقصد تونس وليبيا
(84) يقول Gouvion في كتابه: 225. Monographie du Mzab :'
في المجتمع المزابي، لا يقتصر العمل اليدوي على الفقراء والجمال. كل
المزابيين وحتى مشائخهم يتعاطونه ويشرفونه " عن الحاج سعيد:
: تاريخ 27
و الملاحظ أنّ كلّ أعضاء الحلقة بمن فيهم الشيخ لا يحصلون على راتب
بل عملهم الاجتماعي تطوّعي ويرتزقون بكد:
يمينهم.
W
ومصر ثمّ فرنسا خاصة في ما بعد
(85) الحاج سعيد: تاريخ: 37 - 42.
69
68