وادي مزاب المدينة الدولة
الجزء ١ · صفحة ٣٩W
وإلى جانب هذا أهل كلّ مدينة يختصون في تجارة معين فأهل غرداية وبني يسفن مثلا يختصون في الاقمش
والألبسة. (86)
والأساس في كل هذا ليس مجرد التجارة للكسب مهما كان نوع الكسب، وإنّما كانت المتاجر مدارس لتكوين الأجيال على
الربح الحلال ومواصلة الاتصال بالوطن الأم.
w
وكلما تكوّنت جماعة في مدينة ما تؤسس دار للجماعة تحت قيادة حكيمة تتحوّل شيئا فشيئا إلى مسجد ومدرسة وإلى
خليّة مزابيّة متكاملة تجعل هذا الفرع دائم الاتصال بالأصل. وهكذا لم تكن التجارة مدخلا من مداخل التشرذم والدوبان في البيئات الأخرى، وإنّما كانت عاملا من عوامل الحنين إلى الوطن والعمل على المشاركة في إحيائه.
أمّا الصناعة فقد كانت بدائيّة تتمثل في صناعة الصوف ومواد البناء وما إلى ذلك، وانضافت من عهد حديث صناعات آليّة عصريّة ما زالت تحت المحك لكنّها عملت من البداية على
إقرار العمّال المغتربين في واديهم.
ولا يفوتنا أن نلاحظ هنا أنّ هذا التوسع على الخارج جعل للمزابيين مقرّات دائمة في جميع أطراف البلاد، من قبل في تونس والآن في فرنسا حيث تعتبر دار المزابيين نموذجا حيا
(86) نفسه: 45
20
70
W
W
لربط الإنسان بكيانه، دون أن نغفل عن الأوقاف التي حبسها المزابييون في جدة ومكة المكرّمة والمدينة المنورة ليتمكن الحجاج المزابيون من أداء مناسكهم على أحسن حال وأيسره (87). وهكذا ندرك أن الحياة المادية تظافرت مع الحياة الرّوحيّة لإنعاش هذه المدن التي أسست في صحراء داخل صحراء، فجعلت منها واحة غنّاء يعتز أهلها بالانتماء إليها قلبا وقالبا، وهذا ما جعل المصنفين للمدن العالمية يفلحون في وضعها بقائمة المدن الدولة.
ومن الاقتصاد إلى الحياة السياسية
اختصار
(87) نفسه: 115. 198. 234.235.
71