الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٤خلافة عبد الملك بن مروان وعمان
لا يخفى على المطلع أن عمان منذ عهد عمر بن الخطاب رضي الله نعه لم تصل إليها أيادي الخلفاء الذين جاءوا بعده، فمضى عثمان وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد بن معاوية، وابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وكان الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء الملوك الستة لم يكن لهم بعمان عمل يذكره التاريخ، وإنما عاشت عمان أيامهم وهي بيد أهلها يديرونها كما تقتضي الشريعة، ويعلمون فيها بواجبات الدين غير متزعزعين عن خطة الحق قيد شعرة، وكان في هذه الفترة أميرها عباد بن الجلندي، حتى إذا بويع لعبد الملك بعد موت أبيه وولي الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق في أيام سليمان وسعيد ابني عباد بن عبد الجلندي، فحاول الحجاج بن يوسف إلحاق عمان بولاية العراق، فلم ير أهل عمان طاعة الحجاج الظالم السفاك، بل لا يرون ولاية عبد الملك فضلا عن الحجاج، فإن عبد الملك كان رجلا عاقلا فطنا بصيرا بما عليه الناس وما يرغبون فيه يرغبون عنه.
أما الحجاج فكان طاغية عاتبًا سفاكًا للدماء، لا يبالي بها في نصرة هواه أو نصرة سلطانه، ولما لم ير من عمان الخضوع والانقياد جر عليها الجيوش، وظل يهاجمها مهاجمة عنيفة كاد أن يقضي على الروح العمانية تمامًا، لكن أبى الله إلا أن يعيش الذهب في النار عيشه في الثرى، بل لم ترد حروبه أهل عمان إلا صقلاً صلابة واتقاد حماس، فإنهم كلما صارعهم بجيوشه قضوا عليها وأرغموها على الهزيمة، قال ابن زريق في تاريخه: بعد ما وقعت الفتنة وافترقت الأمة، وصار الملك والسلطان إلى معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن لمعاوية في عمان شيء من الشأن، حتى صار الملك لعبد الملك بن مروان، فاستعمل عبد الملك الحجاج بن يوسف