الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣المسلمون يشتدون على الإمام الجلندي
لما قتل الإمام الجلندي بن مسعود رحمه الله جعفر بن سعيد الجلنداني وابنيه النضر وزائدة ومن معهم من جماعتهم بسبب المؤامرة التي تآمروا بها، ورآهم تحمل جنائزهم دمعت عيناه، ورآه أصحابه على ذلك، وعيناه تذرفان الدموع، فاستنكروا ذلك منه وساءت ظنونهم فيه، وكانوا أشداء على الباطل كما وصف الله عزوجل أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ) (1) وقال عزوجل: (وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً) (2) أي على الباطل، أما الحق فهم فيه رحماء بينهم.
فقال الشراة لإمامهم أعصبية يا جلندي أي تبكي عليهم عصبية لهم، والحق أوجب قتلهم فقال رحمه الله في لهف وهدوء: لا لكن الرحمة كما قال الصحابة رضوان الله عليهم لنبيهم: تنهانا عن البكاء وتبكي يا رسول الله، وذلك لما مات ولده إبراهيم فقال صلى الله عليه وسلم: إنها الرحم، وإنما نهيتكم عن شق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فاعتذر الإمام الجلندي رحمه الله لهم بذلك، وقال غيره: كان الجلندي رحمه الله، قتل جعفر بن سعيد وغيره من بني الجلندي، فدمعت عينه جزعًا عليهم، فوقع في نفوس المسلمين عليه من ذلك، فقالوا له اعتزل أمرنا فأعتزل أمرهم وعد الاعتزال راحة له ولم يتبرم، لأنه ما كان قيامه رغبة في الإمارة أو حبا لها، وسلم إليهم السيف والقلنسوة، إذا كان شعار الإمام الخاص، فلبث فيهم يغدو ويروح كواحد منهم، ثم رجعوا إليه فطلبوا أن يرجع
------------------------
(1) من الآية 29 من سورة الفتح.
(2) من الآية 123 من سورة التوبة.