الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٢اجتهادا لا نوافقه عليه بعد مضى أربعة عشر قرنا، يأتينا اليوم يرى أنه أهدى من أولئك سبيلا من أولئك العلماء الأجلاء، والأساطين المشار إليهم، فالحق ما مضى عليه علماؤنا وأئمتنا، ولا خلاف لمذهبهم.
وقد كتبت رسالة في الموضوع سميتها" الأصول المتبعة في أحكام صلاة الجمعة" وذكرت أمر الخطبة كما أشرت إليها هنا وبينت البعض من الأدلة المتبعة عند أهل العلم، وسكت عمن روى عنه غير ما عليه الأصحاب رحمهم الله، وحسبنا إتباع آثارهم والاعتماد على أقوالهم، والحق أحق أن يتبع وإن قل أهلوه، والباطل أولى أن يترك وإن كثر ذووه.
وإليك عبارة السالمي رحمه اللهفي هذا المقام قال:" وهذه خطبة الجمعة في عصر الإمام ناصر بن مرشد بن مالك اليعربي أعزه الله ونصر على البغاة" وهذا التعبير دال بمفهومه ومنطوقه على أنها خطبة واحدة، وأنها أيضا هي التي يخطب بها طياة حياة الإمام المذكور، لاشتمالها على المواعظ العظيمة المطلوبة لهذا المقام الحافل الجامع للمسلمين، الذين يهتموا بأمر دينهم وينظرون إلى الآخرة بستر رقيق، أسود النهار رهبأن الليل، الذين شهد لهم الحق أنهم رجاله وأحبهم العدل إذ هم أبطاله، وعشقهم الإيمان إذ قامت بهم أعماله، وابتهج بهم الدهر إذ هم جماله، حملت تلك الخطبة أعلام الهدى، وأعلنت للمؤمنين الابتعاد عن مسالك الردى، وحذرت المتديين على اختلاف طبقاتهم من إتباع الهوى، وعظ خالص له في القلوب تأثيره، وتحذير عام له في النفوس تقريره، يكاد يقضي على العقول التي تخاف الله، كأنه يعبر عن مصارع الموت، ويدل على مراسم الحياة الأخرى، ويكثر الباكون إذا تلي عليهم، فيخضع العاتون إذا القي إليهم نسجته أيادي الهدى، على وتيرة البلاغة، ووضعته صاغة البيان بأكمل الصياغة، والله يزيد في الخلق ما يشاء.