مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة: دراسة ونصوص محمد بن صالح ناصر

مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة

الجزء ١ · صفحة ١٠

إن جنس النبيء صعب على الهض م، فيا غرب كف عنك المحالا … (30) وفي غمرة البحث عن القائد الملهم الذي يقود مسيرة المغرب العربي الى الطريق السوي عاد الزعيم عبد العزيز الثعالبي الى تونس بعد خمس عشرة سنة من النفي وصلة الثعالبي بالحركة الوطنية الجزائرية، والاصلاحيين جد وثيقة ترجع الى أيام الحرب العالمية الأولى، وتتلمذ العديد من زعماء الجزائر له أمر معروف أيضا، ومن ثم رأى زكرياء في المهرجان الذي أقيم بهذه المناسبة عيدا وطنيا يشمل الشمال الإفريقي كله، ولا يخص تونس وحدها، وهو يرى في هذا الإحتفال العظيم مظهرا آخر من مظاهر وحدة الشمال الأفريقي

ففي خضم الدسائس والمؤامرات التي كان الاستعمار يحيكها لتمزيق شعوب المغرب العربي، وتشكيكها في أصالتها بما يطرحه في الساحة السياسية من مشاريع مدسوسة تتلون سمومها حسب مسمياتها، ظهيرا بربريا، أو تجنيسا بالجملة، أو إدماجا سياسيا. في هذا الخضم المتماوج الذي تضبَّبَت فيه الرؤية لدى بعض، وكادت بعض النفوس الضعيفة أن تغتر للمواعيد والوعود، يصبح الزعيم الوطني بمثابة النور الذي يهدي السفن الضالة التي تتطاوح بها الأمواج العاتبة، ويكون شخصه رمزا للوحدة والتماسك وجمع الشمل وبهذا غدا الثعالبي) زعيما للشمال الإفريقي كله، تنتظره الجموع بفارغ صبر، من هذا المنظور اختار زكرياء لقصيدته تلك عنوانا له دلالته السياسية البعيدة الشمال الافريقي يتحد) (31) وفيها يقول

:

الشعب والتهاني توالى والمسرات ينتظمن عق

ودا

سودا

يا زعيم الشمال والشرق، يا من ملأ الشرق والشمال جهـ إن شعب الجزائر اليوم قد جا يهني، لواءك المعقودا ويحييك باسمه «حزب شعب» في المباديء قد كان منك وليدا فهو من روحك العظيمة جزء فتقبل من بعضك التمجيدا وارع أرضا غدوت فيها زعيما ترتجي في جهودها التأييدا لم تزل برة بمهدك فيها والرجا لا يزال فيك وطيد (32) في هذه القصيدة يطرح قضية المغرب العربي على أنها قضية واحدة فليس ثمة قضية جزائرية، وأخرى تونسية أو مغربية، فما دام المستعمر هنا وهناك واحدا، فلم

عن

هو

لا يكون التصدي لحل هذه القضية موحدا أيضا والعمل المشترك يجب أن يكون مقاسمة بين الشيوخ المحنكين الذي عركتهم التجارب والشباب المتحمسين الذين تتوثب في عروقهم دماء التضحية وقد كانت فكرة زكرياء هذه متطابقة مع فكرة حزب الشعب أو هي تعبير عنها، فقد كان هذا الحزب يبني قاعدة نضاله على الجماهير الشعبية وهذا ما يفسر التفاتة الشاعر المستمرة الى الشعب، سواء أكان ذلك في بياناته السياسية أم في قصائده الثورية، وما توجيه خطابه الى الشعب العربي المسلم في المغرب العربي كله الا تعبير احساسه ذلك، ويلمس القارئ هذه الحرارة العاطفية تتدفق من الأبيات، وهو يعبر عن احساسه الفياض تجاه وطنه، والوطن في مفهوم زكرياء لا يحد بحدود قطرية وانما المغرب العربي الكبير من أدناه الى أقصاه، لقد دأب في كل قصائده على رفض الحدود المصطنعة، وتعود في كل شعره أن يستخدم كلمة وطني وهو يريد بها الوطن الكبير أولا وقبل كل شيء أنه حاضر في مخيلته فعلا، حي في حنايا نفسه وفي أعماق قلبه، لذا فهو يؤكد على اعتبار الحدود التي هي من عمل المستعمر حدودا أو أسلاك، أو علامات لا تحمل أي معنى أكثر من معناها الجامد وهمية هي عصي قسموها خ ديعة لثلاث كذبوا لن تزال شعبا وحيدا وأقاموا على الهضاب عصيا لقبوها، يا للنفاق، حدودا والجراحات بينها والأماني والأمانات لا تزال شهودا وطني بالدم الزكي أفديـ ك، يمينا شريفة وعهودا وطني أنت جنة الخل د في الأر ض، فهيهات في الورى أن تبيدا وطني إننا ضحاياك في السل م، وفي الحرب بغية أن تسودا فاتخذنا إذا أردت سيوفا واتخذن ا اذا أردت وقودا نحن قوم جدودنا ملكوا الدن يا، فهيهات أن نعيش عبيدا يا فرنسا لا تجاهلينا فانا قد نهضنا، فلا نطيق رکود قد كرهنا حياة ظلم وجور وسئمنا الخراب والتبديدا كل من يرتضي حيـ اة هوان عاش في أرضه الطريد الشريدا (33) وفي هذه السنة نفسها تعرضت الوحدة الوطنية داخل المغرب الأقصى للانشقاق والتصدع وذلك بانشقاق العمل المغربي في شهر فيفري من سنة (1937) (34)، واتخذت

- 97 -

- 96 -