مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة: دراسة ونصوص محمد بن صالح ناصر

مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة

الجزء ١ · صفحة ١١

السلطات الفرنسية صراعات الأحزاب ذريعة لحل حزب الكتلة الوطنية. وقد تأثر الرأي الإسلامي العام في المغرب العربي لهذه التطورات الخطيرة. ومن منظور أخوي وطني، وقف مفدي زكرياء متألما شديد التألم لما تعرضت له الحركة الوطنية في المغرب الأقصى من تفرق، وما يعصف بها من صراعات، وحز في قلبه أن يعطي الوطنيون الفرصة للاستعمار الفرنسي ليغذي نار الخلاف، وينفذ الي الصفوف المتراصة فيحدث فيها هذه الثغرة. فما كان من زكرياء إلا أن نشر نداء مفتوحا على صفحات جريدة «الأمة» (الجزائرية) (35) توجه به الى «أبطال الكتلة الوطنية أشقاء الجهاد الوطني، والفكرة الملية المقدسة»، وعز عليه أن تضيع كل جهود البناء التي دامت سنوات طويلة واستفرغت جهدا، ومالا، ووقتا، وآلمه أن تجيء هذه الضربة الموجعة في وقت تحتاج فيه الوحدة الوطنية في المغرب الكبير الى جمع القوى وتوحيد الصف وفي ظرف أصبحنا نبني فيه دعائم لوحدة شمال افريقيا كلها

وراح زكرياء يستخدم أسلوبا عاطفيا مثيرا لعله بذلك يثير النخوة العربية الاسلامية في النفوس أيها الاخوة الكرام، نناشدكم بحرمة الإسلام، وشرف العروبة، وقداسة الوطنية، وذمام الأخوة، ورحم اللغة الوطنية، وكرامة شمال إفريقيا، وباسم الأمانة العظيمة التي أناطت الأمة على عواتقكم، واصطفاكم الله للاضطلاع بأعبائها، أن تتحدوا وتتسامحوا، وتتصافحوا، وتنضم صفوفكم كوحدة متراصة قوية، دعامتها الإيمان والعقيدة، وقوامها الوطنية والعروبة، فإن شمال إفريقيا ينظركم عن كتب

? ....

وهكذا كانت عند الشاعر حساسية وطنية تجاه كل الأحداث التي تتعرض لها الحركة الوطنية في المغرب الكبير، يتابع تطوراتها باهتمام بالغ، ويحرص على صلة الرحم بين زعمائها، وقد كانت الأوضاع السياسية قبل الحرب العالمية الثانية تفرض تلك الحساسية وذلك الاهتمام.

?

وتمخضت الحرب العالمية الثانية عن أحداث وطنية خطيرة في ساحة المغرب قاطبة دفعت العمل الوطني الى التكتل وتنسيق الجدود

العربي وكان اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية قمة النضج التي انتهت إليه هذه الحركات

الوطنية، رغم سلبيات بعضها، وبات التأكيد على توحيد القوى، وضم الصفوف وتنسيق العمل الوطني أكثر من أي وقت مضى وعندما أعلن استقلال المغرب الأقصى في سنة (1955) راح زكرياء يذكر السلطان محمد الخامس بمواثيق الجهاد بين الإخوة الأشقاء، مصرحا بأن استقلال المغرب الأقصى لن يتم الا باستقلال باقي الأقطار في المغرب الكبير، وأن منح الاستقلال لقطر دون آخر تشتيت للقوى الوطنية، وإضعاف للحركة التحريرية. إن الجزائر أمة تسعى الى استقلالها وتجاري بارك فديتك يا محمد سعيها وجهادها، واخلد مع الأنصار كفر الألى قالوا الشمال ثلاثة ودعوا الى إذلاله بالنار نصبوا العصي على الحدود سفاهة وسعوا الى توزيعه الضرار ملء العروق دم العروبة جاري فغدا له سندا لخوض غمار … (36)

المغرب العربي شعب واحـ للشرق لا للغرب ولى وجهـ

ويلمح زكرياء في هذه القضية ذاتها الى أن ما تسعى اليه الثورة الجزائرية هو الإستقلال التام والسيادة الكاملة، والثورة ترفض أنصاف الحلول، وسياسة المراحل، وهنا تعريض خفي لمن كان يدعو الى الإذعان لسياسة الأمر الواقع، والقبول بالجزء للحصول على الكل، ويوضح منطق سياسة الثورة الجزائرية ومفهومها الذي استماتت من أجله الاستقلال الشامل لكل أقطار المغرب العربي دون تجزئة وبدون تفرقة وهو

والا

ـد استقـ

ــلالا نـ

(37)

بالهم يتصدقون كأننا نرضى من الأسلاب بالأشطار

لا تقبل الصدقات، كلا إننا طلاب حق، لا سماسر عار لاشيء الا وحـ ارة في المغرب الجبار طالب بحقك كاملا وحذار أن ترضى بأنصاف الحلول حذار لقد حولت الثورة التحريرية الجزائرية التضامن المغربي الى تلاحم رائع وجعلت من التراب التونسي، والتراب المغربي ثرى مقدسا تعطره دماء الشهداء، وبعدا استراتيجيا تمتد اليه معارك التحرير، وتنطلق منه. كما تعززت الثورة الجزائرية بالأشقاء العرب الذين ساندوها بالتأييد في الميدانين السياسي والعسكري مما أعطى

- 99 -

-98 -