مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة
الجزء ١ · صفحة ١٢للتضامن العربي الإسلامي وجها ناصعا مشرقا، هذه التحولات الهامة ظهرت انعكاساتها في شعر مفدي زكرياء في هذه المرحلة فلم تعد فكرة التوحيد خاصة بأقطار المغرب العربي وحدها، بل إنها اتسعت لتظلل بجناحها كل الوطن العربي والإسلامي، وأصبحت الدعوة الى مغرب كبير من أجل وحدة عربية شاملة، كانت تلك فكرة الشاعر والثورة في سنتها الثانية
وأنـ
رسول الشرق قل للشرق إنا على عهد العروبة سوف نبقى واما بالجزائر أنكرونا سنخرق وصمة الاجماع خرقا سيعترف الزمان غدا بأنا سبقنا وثبة الأقدار سبقا ا في الجزائر خير شعب عروبته مدى الأجيال وثقي وأن الوحدة الكبرى، اذا ما تحررت الجزائر سوف تبقى .. (38) وبعد استقلال الجزائر ازدادت الفكرة في ذهن الشاعر تأصيلا، وأصبحت النظرية عقيدة يعتز بها، وأصبح إيمانه بضرورة تجسيدها بالعمل هاجسه في كل قصائده، سواء في القصائد التي كان يمثل فيها الجزائر في مهرجانات الشعر العربية أم في المناسبات الوطنية داخل المغرب الكبير، وظل زكرياء وفيا لمبدئه يدعو اليه بحرارة حاضرا بوجدانه وبكيانه في كل التظاهرات المغربية فرحا أو ترحا، ولم يؤثر على لهجته تغير الظروف السياسية بين أقطار المغرب، واختلاف أنظمة الحكم السائدة، وهو اختلاف كان يراه الشاعر عارضا لا يثبت للزمن، ثانويا لا يؤثر في جوهر القضية الحية في ضمائر الشعب المغربي، إنه أشبه ما يكون بهذا الغبار الذي يتصاعد من قوة السير وطول مداه. يتبدد في الأفق كلما قطعت المسيرة شوطا بعيدا، ولكنه على كل حال لن يعرقل الأرجل ولو ضايق الأعين ومن ثم كان زكرياء صلبا في رؤيته، يواجه بفكرته تلك، كل تيار مضاد فيلاحق بالإدانة والمضايقة ويجازي بالتنكر والجحود.
فيها
لقد امتدت النظرة الوحدوية لتشمل باقي الوطن العربي الاسلامي كما يدل على ذلك في قصيدة له بعد الاستقلال مباشرة
ويا عروبة من أم لنا وأب هنا العروبة دوحات وأغصان هنا الأصالة في صلب وفي رحم هنا القرارات تدبير ورجحان
هنا فلسطين تمتد انطلاقتها إن كان في العرب أنصار وأعوان ونحن للوحدة الكبرى دعامتها إن كان في العرب تفكير وميزان مدوا يدا نين دنيانا موحدة فما استقام بدنيا الخلف بنيان (39) ومن هذا المنظور كان ينظر الى المسلمين في بقاع الأرض على أنهم إخوة في الله، ونظرته اليهم نظرة شمولية تجاوزت به منذ يفاعته كل الحواجز الاقليمية، لتصبح نظرة تعانق كل البلاد الاسلامية بأقطارها الواسعة مشرقا ومغربا، وهي نظرة تنطلق من المفهوم الصحيح للإسلام الذي يتميز بنظرته الإنسانية التي لا تتعصب لجنس أو لون أو مذهب. ومن هنا جاءت دعوته الى وحدة المسلمين صفا متراصا كما يطلب منهم القرآن الكريم، ولتكن وحدة المغرب الكبير خطوة أولى في هذا
السبيل:
المغرب الأكبر المستم
الاته من رسول الهدى دة المسلمين غدا
دا
ووحدة مغربنا اليوم خطو الى بتوحيد بعض نوحد کلا وهل ينكر الخبر المبتـ فربما كان مغربن مثالا قويا به يقتدى .. (40)
وعاش مخلصا لمغربه و عقيدة التوحيد في شغاف قلبه انى توجه، يتغنى بها في أشعاره ويحلل أبعادها في أحاديثه المذاعة، ويدافع عنها في مسامراته وندواته الأدبية، كما دأب على تحقيقها عمليا بتنقلاته بين أقطار المغرب الكبير يعيشها معايشة المهتم، متواجدا في الأفراح والأتراح مخلدا بطولاته، مادحا زعماءه مما جعل بعض منتقديه يتهمونه بالتقلب السياسي ومجاراة الحكم، وتملق المسؤولين. ولم يكن يضيق بالمعاملات المتعسفة، والمناورات المدسوسة بل على العكس من ذلك كان يعتز بعقيدته الوحدوية تلك، معتدا قوي الإعتداد بسلوكه ذلك، متجاوزا كل العراقيل والعقبات، هازئا بكل الافتراءات والاتهامات، ما إن تضيق به الظروف السياسية في الجزائر حتى يغادرها الى تونس، وما أن يستبد القلق به في تونس حتى يطير الى الدار البيضاء، وهو في كل ذلك لا يحمل لاخوانه هنا أو هناك حقدا أو ضغينة، ولا يفكر في قطع صلة الرحم ولو كلفه ذلك استقراره وطمأنينة نفسه، حتى قصائد المديح التي خص بها زعماء المغرب العربي التي يعتبرها بعض النقاد غميزة في شعره
- 101
100